فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 15334

أقوالهم حشرًا (99) ، أو إشارات إلى حوادث بعد وقوعها (100) . ولم يكن الأنبياء أنفسهم يدعون أنهم يعلمون من الغيب ما يستطيعون أن ينطقوا به؛ بل كانوا أشبه الناس بالمعارضين البلغاء في إحدى الحكومات الدستورية الحديثة. وكانوا من بعض نواحيهم تلستويين [1] ثائرين على الاستغلال الصناعي والخداع الكهنوتي؛ خرجوا من أحضان الريف الساذج يصبون اللعنات على ثراء الحواضر الفاسدة.

وقد قال عاموس عن نفسه أنه لم يكن نبيًا وإنما كان راعيًا ريفيًا ساذجًا. فلما أن ترك قطيعه ليشهد بيت إيل، هاله ما شاهده فيه من تعقد الحياة تعقدًا غير طبيعي، ومن الفروق الواسعة بين الثروات، ومن منافسة مريرة قاتلة، وقسوة في استغلال الناس. فلما رأى هذا"وقف بالباب"وأخذ يصب غضبه على ذوي الثراء المنغمسين في الترف الذين لا يرعون في الناس عهدًا ولا ذمة.

"من أجل أنكم تدوسون المسكين، وتأخذون منه هدية قمح، بنيتم بيوتًا من حجارة منحوتة ولا تسكنون فيها، وغرستم كرومًا شهية ولا تشربون خمرها ... ويل للمستريحين في صهيون، ... أنتم ... المضطجعون على أسرّة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافًا من الغنم، وعجولًا من وسط الصيرة، الهذرون مع صوت الرباب، المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود، الشاربون من كؤوس الخمر، والذين يدهّنون بأفضل الأدهان ..."

"كرهت أعيادكم ... إني إذا قد مّتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي ... أبعد عني ضجة أغانيك ونغمة ربابك لا أسمع، وليجر الحق كالمياه، والبر كنهر دائم" (101) .

تلك نغمة جديدة في آداب العالم. نعم إن عاموس يثلم حد مثاليته بما ينطق به إلهه من وعيد كالتيار الجارف لا يستطيع القارئ لكثرته وشدته أن يحاجز نفسه

(1) أي أشبه بتولستوي الفيلسوف الروسي. (المترجم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت