خصص حياته كلها تقريبًا لترجمة أفلاطون إلى اللغة اللاتينية، ولدراسة الأفلاطونية، وتعليمها، والكتابة عنها. وكان في شبابه وسيم الخلق إلى درجة جعلت عذارى فلورنس يشغفن به حبًا. ولكن عنايته بهن كانت أقل من عنايته بكتبه، وقد ضل عن دينه وقتًا ما، وخيل إليه أن الأفلاطونية أسمى من الدين قدرًا، وكان يلقب طلابه «بأحبائه في أفلاطون» بدل «أحبائه في المسيح» (14) ، وكان يحرق الشموع أمام تمثال نصفي لهذا الفيلسوف، ويمجده كما يمجد القديسين (15) ، ولم تكن المسيحية وهو في هذه النشوة تبدو له إلا أنها أحد الأديان الكثيرة التي تخفي كثيرًا من عناصر الحق في طيات عقائدها المجازية وطقوسها الرمزية، وظل كذلك حتى ردته كتابات القديس أوغسطين، وشكر الله على شفائه من مرض خطير، إلى الإيمان بالدين المسيحي، وبلغ من شدة إيمانه أن أصبح قسيسًا حين بلغ سن الأربعين، ولكنه ظل مع ذلك متحمسًا للأفلاطونية، يقول إن سقراط وأفلاطون قد جاءا بعقيدة للتوحيد لا تقل نبلا عما جاء به أنبياء بني إسرائيل، وأنهما هما أيضًا ق نزل عليهما الوحي نزولا مصغرًا، كما نزل في الواقع على جميع الناس الذين يخضعون لحكم العقل. وحذا لورندسو وبعض الكتاب الإنسانيين حذوه فسعوا إلى تفسير الدين المسيحي تفسيرًا يقبله الفيلسوف دون أن يعملوا على استبدال دين جديد بهذا الدين. وظلت الكنيسة جيلًا من الزمان أو جيلين (1447 - 1534) تبتسم لهذه المخاطرة وتتسامح مع لقائمين بها حتى جاء سفنرولا وشنع بها وقال إنها خداع وتضليل. وكانت الشخصية الساحرة الجذابة التي لا يعلو عليها إلا لورندسو نفسه هي شخصية الكونت جيوفني بيكو دلا ميرندولا. وكان مولده في البلدة (القريبة من ميدونا) التي أذاع اسمه شهرتها، ثم تلقى العلم في بولونيا وباريس، وكان يستقبل بأعظم مظاهر التكريم في بلاط الملوك والأمراء في أوربا كلها تقريبًا، حتى أقنعه لورندسو آخر الأمر أن يتخذ فلورنس موطنًا له. وكان عقله الحريص على العلم المتحمس له ينتقل من فرع منه