وترقبا في الظلام عدوًا لهما، ولكن أمرهما كشف قبل أن يرتكبا الجريمة، ونفي الصديق، وحكم على بيروجينو بغرامة قدرها عشرة فلورينات (15) . وبعد أن أقام في روما فترة أخرى، اتخذ له مرسمًا في فلورنس (1492) ، واستأجر بعض المساعدين، وشرع ينتج لعملائه الأقربين والأبعدين صورًا لم تكن كلها معتنى بصقلها؛ وكان منها لجماعة أخوان جيسواتي Gesuati صورة مريم تحتضن جسم المسيح الميت أضحت فيها صورة العذراء حزينة ومجدلين المفكرة مثالا كرره هو ومساعدوه في نحو مائة شكل مختلفة لكل معهد أو فرد يطلبه. واتخذ صورة مريم والقديسين طريقها إلى فينا، كما اتخذ صورة أخرى طريقها إلى كرمونا، وثالثة إلى فانو، ورابعة هي صورة مريم في مجدها إلى بيروجينا، وخامسة إلى الفاتيكان، وتوجد الآن واحد في معرض أفيزي. واتهمه منافسوه بأنه حول مرسمه إلى مصنع، وظنوا أنه من العار أن يصبح ثريًا سمينًا. ولكنه ابتسم لقولهم ورفع أثمان صوره؛ ولما دعته مدينة البندقية ليرسم لوحتين في قصر الدوق وعرضة عليه أربعمائة دوقة (5000 دولارًا) طلب ثمانمائة، فلما لم يجب إلى طلبه بقى في فلورنس، وكان يصر على أن يؤدى أجره فورًا ويرفض الآجل منه؛ ولم يكن يتظاهر باحتقار الثروة، بل كان يعتزم ألا يموت من الجوع حين تبدأ يده في الاهتزاز، وابتاع له أملاكًا في فلورنس وبيروجيا؛ وكان يلزم نفسه بأن يضيف ولو قدرًا قليلًا من الأرض عقب كل انقلاب في حياته. وصورته التي رسمها لنفسه والقائمة الآن بالميدان في بيروجيا (1500) واعتراف صريح صراحة عجيبة. فهو يظهر فيها ذا وجه مكتنز، وأنف كبير، وشعر مهدل دون عناية تحت قلنسوة حمراء ضيقة، وعينين هادئتين نافذتين، وشفتين تنمان عن بعض الاحتقار، ورقبة ضخمة، وهيكل قوي. وجملة القول أنه كان رجلا لا يسهل خداعه؛ متأهبًا للكفاح، واثقًا من نفسه، لا يقدر الجنس البشري تقديرًا كبيرًا. ويصفه فاساري بأنه لم يكن رجلا متدنيًا، وبأنه لا يؤمن قط بخلود الروح (16) .