بل كان يبعث إلى أصدقائه بأوصاف مفصلة لمغامراته فيها (79) وإن كثيرًا من رسائله لتبدو فيها الغلظة والوقاحة واضحتين وضوحًا لم يجرؤ معه كاتب سيرته والمعجب به، الذي أطال في الترجمة له، على نشرهما، ولما قرب مكيفلي من سن الخمسين كتب يقول:"إن شباك كيوبد لا تزال تقتنصني، والطرق الوعرة لا تستنفذ صبري، والليالي السوداء لا توهن شجاعتي ... إن عقلي كله لمتجه للحب اتجاهًا أحمد عليه فينوس" (80) . تلك أشياء في وسعنا أن نغفرها له. لأن الرجل لم يخلق لكي يقتصر على زوجة واحدة؛ ولكننا لا نستطيع أن نغفر له بمثل هذه السهولة عدم وجود كلمة حنان واحدة موجهة إلى زوجته في كل ما بقي لدينا من رسائله وهو كثير؛ وإن كان هذا مما يتفق مع سنة تلك الأيام.
ووجه قلمه البليغ في هذه الأثناء إلى أنواع من التأليف متباينة، وبز الأساتذة في كل نوع منها. وكان منها رسالة في فن الحرب L'arte della guerra نشرها في عام 1520، وأعلن فيها من برجه العاجي للدول والقواد شرائع السلطة العسكرية والنجاح فقال أن الأمة التي تفقد الفضائل العسكرية أمة هالكة لا محالة. والجيش لا يحتاج إلى الذهب بل إلى الرجال؛ لأن"الذهب وحده لا يأتي بالجند الصالحين على الدوام، ولكن الجند الصالحين يأتون بالذهب" (81) ، والذهب ينساب إلى خزائن الأمة القوية، ولكن القوة تفارق الأمة الغنية لان الثراء يعمل على الراحة والاضمحلال؛ ولهذا يجب أن يظل الجيش مشغولًا على الدوام، فحرب صغيرة تشب من حين إلى حين تبقى العضلات العسكرية صالحة والجهاز الحربي صالحًا متأهبًا. وسلاح الفرسان جميل إلا إذا واجهته الحرب القوية؛ ويجب أن يعد هذا السلاح عصب الجيش وأساسه (82) . والجنود المرتزقة عار يجلل إيطاليا، ودليل على تراخيها وضعفها، وسبب في خرابها، ومن واجب كل دولة أن يكون لها حرس وطني من أهلها مؤلف من رجال يحاربون دفاعًا عن وطنهم وأرضهم.