فهرس الكتاب

الصفحة 7379 من 15334

وتحتقر الضعف والجبن، وتتحدى العرف، والتقاليد والأخلاق، والمحرمات، والبابوات، بل تتحدى الله نفسه في بعض الأحيان. وكان في وسع هذا الرجل أن يقود حزبًا ثائرًا في المدينة؛ أو جيشًا في الدولة؛ فإذا كان من رجال الكنيسة فقد كان يسعه أن يجمع مائة منصب تحت مسوحه، وأن يستخدم ثروته في الوصول إلى السلطان. وفي الفن لم يعد هذا الرجل صانعًا يعمل مغمورًا مع غيره في مشروع جماعي كما كان يعمل نظيره في العصور الوسطى؛ لقد كان شخصًا"منفردًا منفصلا عن غيره"يطبع أعماله بطابعه، ويوقع باسمه على ما يرسمه من الصور، بل كان من حين إلى حين على ما يصنعه من تماثيل كما حفر ميكل أنجيلو اسمه على تمثال العذراء وهي تندب طفلها. ومهما تكن الأعمال التي يقوم بها رجل النهضة هذا فقد كان في حركة دائمة، ساخطًا، متأففًا من القيود، تواقًا لأن يكون"رجلًا عالميًا"- جريئًا في تفكيره، حاسمًا في أفعاله، فصيحًا في أقواله، ماهرًا في فنه، ملمًا بالأدب والفلسفة، ليس غريبًا على النساء في القصور ولا عن الجند في المعسكرات.

ولم يكن فساد خلقه إلا جزءًا من نزعته الانفرادية. وإذ كان هدفه هو أن ينجح في التعبير عن شخصيته، وكانت بيئته لا تفرض عليه أية معايير يتقيد بها فلا يجد قدوة يقتدى بها بين رجال الدين، ولا يجد ما يرهبه في العقيدة الربانية، فإنه يجيز لنفسه أن يسلك أية وسيلة تبلغه غايته، ويستمتع بكل لذة تصادفه في الطريق. لكنه رغم هذا كله كانت له فضائله. لقد كان رجلا واقعيًا، قلما ينطق بتافه القول إلا لامرأة برمة. وكان مؤدبًا إذا لم يكن يقتل، وحتى في هذه الحال كان يفضل أن يقتل في غير قسوة. وكان ذا نشاط، وقوة في الخلق، وذا إرادة موجهة موحَّدة؛ وكان يقبل المعنى الذي يفهمه الرومان الأقدمون من لفظ الفضيلة وهو"الرجولة"؛ ولكنه كان يضيف إلى هذا المعنى الحذق والذكاء. ولم يكن مسرفًا في القسوة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت