فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 15334

برهمي عرف القيمة السياسية للدين، لكنه لم يتخذ من الدين هداية خلقية؛ فهو شبيه بدكتاتوريي هذا العصر، في إيمانه بأن كل الوسائل لها مبررات ما دامت تنتهي إلى صالح الدولة؛ وكان غادرًا لا يزجره من نفسه ضمير، إلا إزاء مليكه؛ فقد خدم"تشاندرا جوبتا"في منفاه وفي هزيمته وفي مغامراته وفي دسائسه وفي اغتياله للناس وفي نصره؛ واستطاع بفضل حكمته ودهائه أن يجعل ُملك سيده أعظم ما عرفته الهند في تاريخها كله؛ ولقد رأى"كوتيلا"- كما رأى الأمير من بعده مؤلف"الأمير" [1] - أنه من المفيد أن يدون للأجيال القادمة آراءه التي عالج بها الأمور العسكرية والسياسية؛ وأن الرواية لتنسب إليه كتاب"أرذاشاسترا"وهو أقدم كتاب مما بقي لنا من الأدب السنسكريتي (16) ؛ ولكي نسوق لك مثلًا من واقعيته الدقيقة، نذكر لك ما ذكره من الوسائل التي تتبع في الاستيلاء على أحد الحصون، وهي:"الدسائس والجواسيس واستمالة شعب الأعداء، والحصار والهجوم" (17) - وفي هذه الدسائس اقتصاد حكيم للمجهود البدني.

لم تزعم الحكومة لنفسها اصطناع الأساليب الديمقراطية؛ والأرجح أنها كانت حكومة لم تشهد الهند طوال تاريخها حكومة أكفأ منها (18) ؛ فلم يكن لدى"أكبر"- وهو أعظم المغول-"ما يماثلها كفاءة، ومما يدعوا إلى الشك أن يكون بين المدن اليونانية القديمة ما يفوقها نظامًا" (19) ؛ كانت تقوم صراحة على القوة العسكرية؛ فكان"لشاندرا جوبتا"جيش قوامه- إذا أخذنا برأي المجسطي (الذي يجب أن يكون موضع ريبه كأي مراسل أجنبي آخر) - ستمائة ألف من المشاة، وثلاثون ألفا من الركبان، وتسعة آلاف من الفيلة، وعدد لم يحدد من العربات الحربية (20) ؛ وكان البراهمة والفلاحون يعفون من الخدمة العسكرية، فيصف لنا"سترابو"هؤلاء الفلاحين وهم

(1) مؤلف كتاب"الأمير"هو مكيافلي صاحب السياسة الوصولية المشهور (المعرب)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت