فهرس الكتاب

الصفحة 7683 من 15334

أما الكنيسة فقد كانت تحسب أنها العامل الأكبر في المحافظة على الأخلاق، والنظام الاجتماعي، والتربية والأدب، والعلم، والفن، وكانت الدولة تعتمد عليها في القيام بهذه المهام، وكان القيام بها يتطلب نظامًا واسعًا كثير النفقة، وكان لا بد لها في الحصول على هذا المال من أن تفرض الضرائب وتجبي الرسوم، ذلك أن الكنيسة هي الأخرى لا يمكن أن تحكم بالصلوات والأدعية. وكان كثير من الأساقفة حكامًا مدنيين وكنسيين في أقاليمهم، وكانت السلطات غير الدينية هي التني تعين معظم أولئك الأساقفة تختارهم من بين أعيان البلاد الذين اعتادوا معيشة الترف والتحرر من قيود الأخلاق، فكانوا يفرضون الضرائب وينفقون مواردها كما يفعل الأمراء وكانوا أحيانًا يجللون بالعار ذكرى القديسين بارتداء الدروع وقيادة الجند في الحروب. وقلما كان الكرادلة يختارون لتدينهم وتقواهم بل كانوا يختارون عادة لثروتهم أو لصلاتهم السياسية أو لكفايتهم الإدارية، ولم يكونوا يرون أنفسهم رهبانًا مقيدين بأيمان أقسموها وإنما كانوا يرون أنفسهم شيوخًا ورجال سياسة في دولة غنية قوية، ولم يكونوا في كثير من الأحيان قساوسة، ولم يكونوا يسمحون لقلانسهم الحمراء أن تحول بينهم وبين الاستمتاع بمباهج الحياة (26) وقصارى القول أن الكنيسة قد أنستها حاجات السلطة وما يلزمها من المال ما كان عليه الرسل الأولون من زهد وفقر.

وإذا كان خدم الكنيسة رجال دنيا لا رجال دين فإنهم لم يكونوا في كثير من الأحيان يقلون جشعًا عن موظفي الحكومات في أيامهم. فقد كان الفساد قانون ذلك العصر وطبيعة أهله، وكانت المحاكم المدنية تشترى بالمال ولسنا نجد في انتخاب البابوات كلهم ما يضارع في الرشوة ما حدث في انتخاب شارل الخامس إمبراطورًا. وإذا ما استثنينا هذا الانتخاب وحده فإن أضخم الرشاوى في أوربا هي التي كانت تقدم إلى محاكم رومة (27) . لقد كانت رسوم معقولة محددة تفرض نظير الخدمات التي تقوم بها المحكمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت