فقتلوا في يوم واحد؛ وجاء السلطان محمود بن طغلق فقتل أباه وتولى العرش من بعده، وقد أصبح في عداد العلماء الأعلام والأدباء أصحاب الأسلوب الرشيق، فدرس الرياضة والطبيعة والفلسفة اليونانية، ولكنه مع ذلك بز أسلافه في سفك الدماء وارتكاب الفظائع، من ذلك أنه جعل من ابن أخ له ثار عليه طعامًا أرغم زوجة القتيل وأبناءه على أكله؛ وأحدث في البلاد تضخمًا ماليًا باستهتاره فجلب الدمار إلى البلاد، وتركها خرابًا بما أجراه فيها من نهب وقتل، حتى لقد لاذ سكانها بالفرار إلى الغابات، ولقد أوغل في قتل الهنود حتى قال عنه مؤرخ مسلم:"إن أمام رواقه الملكي وأمام محكمته المدينة لم يخل المكان قط من أكداس الجثث، حتى لقد مل الكناسون والجلادون، وأتعبهم جر الأجساد - أجساد الضحايا- لأعمال القتل فيهم زرافات" (76) ؛ ولما أراد أن ينشئ عاصمة جديدة في"دولة أباد"أخرج سكان دلهي من بلدهم لم يبق منهم أحدًا، وخلف المدينة قفرًا يبابًا؛ وسمع أن رجلًا أعمى قد ظل مقيمًا في دلهي، فأمر به أن يجر على الأرض من العاصمة القديمة إلى العاصمة الجديدة، ولما بلغوا بالمسكين آخر رحلته لم يكن قد بقى من جسده إلا ساق واحدة (77) وشكا السلطان من نفور الشعب منه وعدم اعترافهم بعدله الذي لم ينحرف عن جادة السبيل.
وظل يحكم الهند ربع قرن ثم وافته منيته وهو في فراشه؛ وتبعه"فيروز شاه"فغزا البنغال، ووعد أن يكافئ كل من جاءه برأس هندي، حتى لقد دفع في ذلك مكافآت عن مائة وثمانين ألفًا من الرؤوس، وأغار على القرى الهندية طلبًا للرقيق، ومات وهو شيخ معمر، بلغ من العمر ثمانين عامًا؛ وجاء السلطان احمد شاه، فكان يقيم الحفلات ثلاثة أيام متوالية كلما بلغ القتلى في حدود ملكه من الهنود العزل عشرين ألفًا في يوم واحد (78) .
وكثيرًا ما كان هؤلاء الحكام رجالًا ذوي قدرة، كما كان أتباعهم يمتلئون بسالة جريئة ونشاطًا؛ وبغير هذا الفرض فيهم لا نستطيع أن نفهم كيف أتيح