بهيمية وعيون وحشية، متوحشة، وأنوف ضخام وشفاه ممطوطة سمجة نهمة. ولما تحول إلى قصص القديسين، فقد أظهر القديس يوحنا الإنجيلي في صورة رقيقة إلى حد عجيب، في مهاد غير عادي من المشاهد الطبيعية بين جزر وبحر، بيد أنه وضع في أحد الأركان شيطانًا يتأمل-له قلنسوة قسيس وذنب فأر وأرجل حشرة-وينتظر في صبر أن يرث الأرض-وفي صورة"إغراء القديس أنطوني"أحاط الناسك المتوحد اليائس، بفاجرات مبتهجات وتخيلات سحرية-قزم غرست رجلاه في كتفيه وطائر له ساقا ماعز وقرد له أرجل بقرة وفأر تتخطاه عليه ساحرة ومنشد متجول يضع على رأسه جمجمة حصان. وأخذ"بوش"العجائب من الكاتدرائيات القوطية وجعل منها عالمًا قائمًا برأسه.
وكان أبعد ما يكون عن الواقعية. ولكنه كان ينقل بين حين وحين مشهدًا من الحياة، كما في"الابن السفيه"، إلا أنه بالغ هنا في إظهار الدمامة والفقر والخوف. وليست صورته"ركبة الدريس"نسمة في أوائل الربيع، ولكنها تصوير مرير لعبارة"كل الحشائش لحم"وكل شيء مثالي فوق الحمل: شاب يعزف الموسيقى لفتاة تغني، وخلفهما عشيقان يتبادلان القبلات وملاك يجثو على ركبتيه، وفوقهما يرفرف"المسيح"في السحاب. بيد أنه يصور على الأرض قاتلًا، يطعن عدوه المترنح، وقوادة تغوي فتاة على الفجور، ودجالًا يبيع الدواء لكل داء وقسيسًا بدينًا يتسلم النذور من الراهبات، وعجلات العربة تدهس بعض المحتفلين غير المكترثين. وإلى اليمين، فريق من الشياطين، تعاونهم قردة، يسحبون الأشرار إلى الجحيم. ولقد علق فيليب الثاني ملك أسبانيا الذي غلبت الكآبة عليه هذه القطعة الفنية في الاسكوريال. ووضع بالقرب منها، زميلة لها هي"مباهج الدنيا". وفيها نرى غديرًا، يغتسل فيه العرايا من الرجال والنساء، وحوله موكب راكب من العرايا على متون الحيوانات نصفها طبيعي ونصفها الآخر من