وأمر"أكبر"أعوانه من الأدباء أن يترجموا إلى الفارسية- وقد كانت لغة قصره- آيات الأدب والتاريخ والعلم في الهند، وراجع بنفسه ترجمة الملحمة الخالدة"ماهابهاراتا" (100) وازدهرت الفنون كلها في ظله وبتشجيعه، فشهدت الموسيقى الهندية والشعر الهندي في عهده عصرًا من أعظم عصورهما، وبلغ التصوير- الفارسي منه والهندي- مرتبة تالية في ارتفاعها للأوج بفضل تشجيعه (101) وأشرف في"أجرا"على بناء"الحصن"المشهور، وأمر أن يبنى بداخله خمسمائة بناء، عدها معاصروه من أجمل ما تراه العين في العالم كله؛ لكن هذه المباني قد تحطمت تحطيمًا على يدي"شاه جهان"الأرعن، وليس في مقدورنا أن نحكم عليها إلا استنتاجًا من آثار العمارة الباقية من عهد"أكبر"مثل مقبرة"هميون"في دلهي، والآثار الباقية في"فتحبور- سكرى"حيث أقيم ضريح لصديق"أكبر"المحبوب، الزاهد الشيخ سليم شستي، وهو بناء من أجمل ما في الهند من بناء.
ثم كان له اتجاه آخر أعمق من هذه الاتجاهات كلها، وهو ميله إلى التأمل، فهذا الإمبراطور الذي أوشك أن يكون قادرًا على كل شئ، تحَرَّق فؤاده شوقًا إلى أن يكون فيلسوفًا- كما يشتهي الفلاسفة أن يكونوا أباطرة، ولا يستطيعون أن يسيغوا حمق القدر في حرمانه إياهم ما هم جديرون به من عروش، فبعد أن فتح"أكبر"العالم، أحس شقاء نفسه لأنه لم يستطع فهمًا لهذا العالم الذي فتحه وقد قال:"على الرغم من أني أسود مثل هذا المُلك الفسيح، وزمام الحكومة كلها في يدي، فلست مطمئن الفؤاد لهذه العقائد الكثيرة والمذاهب المختلفة من حولي، مادامت العظمة الحقيقية كائنة في تنفيذ إرادة الله، فدع عنك هذه الأبهة الظاهرة المحيطة بي، وقل لي كيف أطيب بالًا، في مثل هذا اليأس، إذا"