الجيش هو عدة الحكومة وعتادها" (53) ، وقد كان أكبر شذوذًا في هؤلاء الحكام المسلمين، لأنه اعتمد قبل كل شئ على رضى الشعب لازدهاره تحت حكومته المستبدة في اعتدال ورحمة؛ ولعل حكومته في ظروفها كانت خير حكومة يمكن قيامها، وأهم عيوبها - كما أسلفنا - هو اعتمادها على شخصية الملك، لأن السلطة العليا المتركزة في يد الحاكم كانت خيرًا في عهد"أكبر"لكنها كانت شرًا مستطيرًا في عهد"أورنجزيب"؛ ولما كان الحكام الأفغان والمغول قد ارتفعوا إلى سلطانهم بالعنف، فقد كانوا دائمًا عرضة إلى الهبوط عن سلطانهم بالاغتيال، وكادت الحروب التي تشن ليحل ملك مكان آخر، تكلف من النفقات ما تكلفه الانتخابات في عصرنا الحديث، ولو أن تلك الحروب لم تكن عقبة في سبيل اضطراد الحياة الاقتصادية كما هي الحال مع انتخاباتنا اليوم [1] ."
لم يكن القانون في ظل الحكام المسلمين إلا إرادة الإمبراطور أو السلطان؛ وأما في ظل الملوك الهنود فقد كان مزيجًا مضطربًا من الأوامر الملكية ومن تقاليد القرى وقواعد الطبقات وكان الذي يتولى القضاء رئيس
(1) إن قصة اغتيال ناصر الدين لأبيه غياث الدين سلطان دلهي بالسم (1501م) توضح الفكرة الإسلامية عن الاستيلاء على العرش بطريقة سلمية، وهاهو ذا"جهان كير"الذي لم يدخر وسعًًا في إنزال أبيه"أكبر"عن عرشه، يقص القصة:"وبعد ذلك ذهبت إلى البناء الذي يحتوي على أضرحة الحكام الخالجيين، وكان بينها قبر ناصر الدين الذي وصم وصمة العار إلى الأبد، فكلنا يعرف أن هذا المنكود قد ارتقى إلى العرش باغتيال أبيه، فجرعه السم مرتين، واستطاع أبوه في كلتا الحالتين أن يطهر آثار السم بترياق كان يحمله على ذراعه؛ وفي المرة الثالثة مزج الابن قطرات السم بكوب من الشراب وقدمه إلى أبيه بنفسه ... ولما كان أبوه يعلم ما يبذله ابنه من جهود في سبيل التخلص منه، فقد نزع عن ذراعه التميمة وقذف بها أمامه، ثم أدار وجهه في خضوع وخشوع إلى عرش الخالق وقال: اللهم إني قد بلغت من العمر ثمانين عامًًا أنفقتها في ازدهار وسعادة لم يتمتع بمثلها ملك قبلي؛ ولما كانت هذه آخر لحظات حياتي، فأضرع إليك اللهم ألا تحول بين ناصر وبين قتلي وأن تعد موتي أمرًا من أمرك فلا تنتقم لي منه"؛ وبعد أن فاه بهذه الكلمات جرع ذلك الكوب من الشراب المسموم بجرعة واحدة وأسلم روحه إلى ربه. ويضيف"جيهان كير"الفاضل إلى ذلك قوله:"ولما ذهبت إلى قبره (أي قبر ناصر) ركلته عدة ركلات".