وخفف كالفن من استنتاجاته بأن نصح بالرحمة بالذين لا تكون هرطقاتهم جوهرية أو الذين يتضح أن هرطقاتهم بسبب الجهل أو ضعف العقل. ولكن حيث أنه رضى بصفة عامة بالقديس بولس هاديًا له ومرشدًا فإنه رفض أن يلجأ للوسيلة البولسية (نسبة إلى بولس) التي تعلن أن القانون الجديد يحل محل القانون القديم. والحق أن حكومة رجال الدين التي كان من الواضح أنه كان يمكن أن تتحطم وتشيع فيها الفوضى إذا سمحت الخلافات في العقيدة بإبداء الرأي علنًا.
وفي غضون ذلك ماذا آلت إليه الروح الأرازمية التي تدعو إلى التسامح؟ لقد كان أرازموس متسامحًا لأنه لم يكن على يقين تام، أما لوثر وميلانكتون فقد تخليا عن التسامح عندما تدرجا في اليقين، وأما كالفن فكاد يكون على يقين مذ بلغ عامه العشرين بتبكير قاتل في النضج. وليس من شك في أن قليلًا من علماء الإنسانيات الذين درسوا الفكر الكلاسي والذين لم يهابوا العودة إلى الحضيرة الرومانية بالاشمئزاز من الالتجاء إلى العنف في النزاع اللاهوتي ظلوا يرون على استحياء أن اليقين في الدين والفلسفة أمر لا يمكن الوصول إليه، ومن ثم فإن على المشتغلين باللاهوت والفلاسفة ألا يقتلوا أحدًا.
وكان عالم الإنسانيات الذي تحدث بموضوع بعض الوقت عن التسامح وسط صدام اليقينيات واحدًا من أقرب أصدقاء كالفن حينًا من الزمن. فسباسيان كاستيليو الذي ولد في جورا الفرنسية عام 1515 أصبح حاذقًا للغات اللاتينية واليونانية والعبرية ودرس اليونانية في ليون وعاش مع كالفن في شتراسبورج فعينه مديرًا لمدرسة اللاتينية في جنيف (عام 1541) وهناك شرع في ترجمة الكتاب المقدس بأسره إلى لغة شيشرون اللاتينية. وقد أعجب بكالفن رجلًا ولكنه كره المذهب القائل بالجبر وأضنى قواه تحت وطأة النظام الجديد الذي خضع له الجسد والعقل. واتهم في عام 1544 القساوسة في جنيف بالتعصب والدنس والسكر. واشتكى كالفن إلى