أن ترسل إلى الجحيم لتلقى عذابها على جرم بعينه، أو أن ترسل إلى الجنة لتنعم بجزاء سريع على فشيلة بذاتها لكن يستحيل على روح أن تقيم في الجحيم، وقليل من الأرواح هي التي يسمح لها بالإقامة في الجنة إلى الأبد؛ ذلك لأن الروح لا بد لها بعد فترة تقضيها في الجنة أو الجحيم، أن تعود إلى الأرض من جديد، لتنفذ بحياة جديدة ما يقضي به عليها"كارما" [1]
كان هذا المذهب صادقًا من الوجهة البيولوجية إلى حد كبير، فلا ريب في أننا حقًا تجسيد جديد لأسلافنا، وسنعود بدورنا فنتجسد من جديد في أبنائنا، وعيوب الآباء تهبط على الأبناء إلى حد ما (ولو أنها لا تهبط بالمقدار الذي يفرضه الجامدون الخيرون) حتى ولو بعد أجيال كثيرة؛ فقد كان"كارما"أسطورة بارعة في صرف الحيوان البشري عن القتل والسرقة والمماطلة والتقتير في العطايا، فضلًا عن أنها وسعت من نطاق الوحدة الخلقية والشعور بالواجب حتى شمل ذلك النطاق مراحل الحياة كلها، ومهدت أمام التشريع الخلقي سبيل التطبيق على نطاق أوسع رقعة وأكثر منطقًا مما وجده في أية حضارة
(1) يعتقد الهنود في سبع سموات، إحداهما على الأرض، وبقيتها ترتفع عن الأرض على تفاوت في الدرجات بينها، وهناك في عقيدتهم إحدى وعشرون جحيمًًا مقسمة سبعة أقسام؛ وليس العقاب أبديًا، لكنه أنواع؛ وإن الوصف الذي يصف به"الأب دبوا"جحيمات الهنود، لينافس في بشاعته جحيم دانتي، وهو- مثله- يصور ما يضطرب به صدر الإنسانية من مخاوف كثيرة وخيال ينزع بالناس نحو إيقاع الأذى."فمن ألوان العذاب النار والحديد والثعابين والحشرات السامة والحيوانات الكاسرة وسباع الطير، ومر الشراب والسم والروائح الكريهة؛ واختصارًا، تستخدم كل وسيلة ممكنة في تعذيب المغضوب عليهم؛ بعضهم ينفذ في مناخيرهم يظلون يساقون به إلى الأبد فوق نصال سكاكين غاية في الإرهاف وبعضهم يحكم عليهم بالمرور خلال سم الخياط؛ وبعضهم يوضعون بين صخرتين مستويتين تضمانهم ضما فتسحقانهم دون أن تقتلاهم؛ وبعضهم تطلق عليهم طيور العقاب الجائعة فتظل تنقر عيونهم بغير انقطاع؛ وملايين منهم يقضى عليهم بالسباحة الدائمة في بركة مليئة ببول الكلاب أو مخاط الآدميين"، ويجوز أن تكون هذه العقائد قاصرة على أدنى طبقات الهنود وعلى المتزمتين من رجال اللاهوت؛ ويسهل علينا التسامح إذا تذكرنا أن جهنمنا- على اختلافها عن جهنم الهنود- ليست منوعة العذاب فحسب، بل هي أبدية فوق ذلك.