ميلان، وأحضرت معها إلى كراكو بطانة من رجال الحاشية والعلماء، وبدلًا من أن يتبرم بهم الملك، رحب بهم باعتبارهم جسرًا يصل بينه وبين النهضة، وتملكت الأرستقراطية نزعة إلى الترف بارتداء الثياب المنمقة واقتناء الرياش الثمينة، وأصبحت اللفة أكثر صقلًا، والأخلاق أكثر تهذيبًا، وازدهرت الآداب والفنون، وكتب أرازموس (عام 1523) :"إني أهنئ هذه الأمة ... التي بلغت فيها العلوم وفقه القانون والأخلاق والدين وكل ما يفصلنا عن الهمجية درجة من الازدهار تستطيع بها أن تنافس أرفع الأمم شأنًا وأعظمها مجدًا (6") . وسيطرت بونا على زوجها بجمالها ورشاقتها ودهائها، فأصبحت ملكة فعلًا، وملكة في الزي على السواء. وكان ابنها سجسموند الثاني عالما بالإنسانيات ولغويًا وخطيبًا وميالًا إلى التزيي بزي النساء (7) . وأضرت الحروب هذه العهود اللامعة لأن بولندة كانت مشتبكة مع السويد والدنمرك وروسيا في نزاع على السيطرة على بحر البلطيق وموانيه، وفقدت بولندة بروسيا، بيد أنها ضمت مازوفيا وتشمل وارسو (1529) وليفونيا وتضم ريجا (1561) . وكانت بولندة في هذا العصر دولة أوربية كبرى.
وفي غضون ذلك تسلل الإصلاح الديني من ألمانيا وسويسرة. وقد عودت حرية العبادة، التي ضمنها التاج البولندي لرعاياه من الروم الكاثوليك، الأمة على التسامح الديني، وجعلت ثورة الهسيين والأتراكويين في بوهيميا المجاورة. والتي دامت قرنًا من الزمان، بولندة لا تعبأ إلى حد ما بالسلطة البابوية البعيدة. وكان الأساقفة، الذين يعينهم الملك، رجالًا مثقفين محبين لوطنهم، من أنصار الإصلاح الكنسي، مع الاعتصام بحيطة أرازمية، ويؤيدون الحركة الإنسانية تأييدًا عظيمًا، ومهما يكن من أمر فإن هذا لم يخفف من شدة الحسد الذي تطلع به النبلاء، وسكان المُدن، إلى أملاكهم ومواردهم. وازدادت الشكاوى من استنزاف الثروة