ولكن حبة لشيراز أبقاه حبيسًا بها، وكان يشك في أن بالجنة نفسها مثل هذه الأنهار الفاتنة أو مثل هذه الورود الحمراء في شيراز. وكان بين الحين والحين يوجه قصائد المديح إلى أمراء الفرس في عصره أملا في عطايا أو جوائز تخفف من ألم الفقر الذي كان يعاني منه، لأنه لم يكن في فارس ناشرون لينقلوا نفثات البراع عبر البحار، وكان على الفنان (أى الشاعر) أن ينتظر على أبواب النبلاء والملوك. والحق أن شاعرنا"حافظ"كاد أن يرحل يومًا إلى الخارج، ذلك أن أحد أمراء الهند لم يبعث إليه بالدعوة فحسب، بل زوده كذلك بالمال اللازم لنفقات الرحلة، فأقلع حافظ ووصل إلى هرمز على الخليج الفارسي، وكان على وشك الركوب في السفينة فهبت عاصفة هوجاء حولته عن عزمه، وحببت إليه الاستقرار. فعاد أدراجه إلى شيراز، وبعث إلى الأمير الهندي بقصيدة بدلًا من شخصه.
ويضم ديوان حافظ 693 قصيدة معظمها غنائية، وبعضها رباعيات، وبعضها الآخر شذرات غير واضحة المعنى. وهي أصعب في ترجمتها من أشعار دانتى، زاخرة بقواف كثيرة مما يجعل منها في الانجليزية شعرًا غير مصقول محطم عقول الوزن، كما تعج بالاشارات والتلميحات المبهمة التي كانت تبهج عقول الناس في ذاك الزمان، ولكنها الآن ثقيلة على السمع في الغناء، والأفضل أن توضع نثرًا في الغالب:
"كاد الليل أن ينصرم، حين جذبني أريج الورود، فدلفت إلى"
الحديقة، مثل العندليب، أفتش عن بسم للحمى التي انتابتني،
وهناك في الظل تألقت وردة، وردة حمراء كأنها مصباح محجب،
فحدقت النظر في محياها،
إن الوردة فاتنة لمجرد أن وجه محبوبتي فاتن .... وماذا يكون
عبير المروج، والنسيم الذي يهب في الحديقة، إذا لم يكونا