وكان مؤرخًا آنذاك في سن الشيخوخة، فرأس وفدًا يلتمس من التتري المنتصر شروطًا لينة رفيقة وأحضر- مثل أي مؤرخ آخر، مخطوطة تاريخه معه، وقرأ على تيمور الجزء الخاص به وسأله أن يصحح له معلوماته، وربما كان قد تعمد مراجعة الصفحات قبل ذلك لهذا الغرض نفسه. ونجحت الخطة، وأطلق تيمور سراحه، وما لبث أن عاد لبن خلدون مرة أخرى قاضيًا للقضاة في القاهرة، ومات وهو في هذا المنصب، في سن الرابعة والسبعين (1406) .
وألف ابن خلدون وسط هذه الحياة القلقة موجزًا عن فلسفة ابن رشد، وأبحاثًا في المنطق والرياضيات، ومقدمة ابن خلدون، وتاريخ البربر، وشعوب الشرق، والكتب الثلاثة الأخيرة فقط هي الباقية، وهي تشكل في مجموعها"تاريخ العالم" (كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر) . والمقدمة واحدة من الروائع في الأدب الإسلامي وفي فلسفة التاريخ، فهي إنتاج"حديث"إلى درجة مذهلة لعقلية عاشت في العصور الوسطى. ويرى ابن خلدون أن التاريخ"فرع هام من الفلسفة" (56) ، وينظر نظرة عريضة واسعة إلى مهمة المؤرخ:
"اعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال" (57) . (ص 33 من مقدمة ابن خلدون طبعة كتاب الشعب- القاهرة 1969) .