ضجة، وكذلك ... الشعراء المتبرمون، والمؤرخون الكاسدة بضاعتهم، والخطباء المتفيهقون، والمناطقة العنيدون ... والمنجمون المنحوسون، والسحرة البشعون ... والفلاسفة المجادلون". فالمعرفة كلها غير يقينية، والعلم كله عبث، و"أسعد الناس من لا يعرف شيئًا". المعرفة هي التي قضت على سعادة آدم وحواء، واعتراف سقراط بالجهل هو الذي أكسبه القناعة والشهرة."ليست العلوم كلها إلا قوانين الناس وآرائهم، وهي تستوي ضررًا ونفعًا، وأذى وفائدة، وشرًا وخيرًا، هي بعيدة كل البعد عن الكمال، مشكوك فيها، حافلة بالخطأ والخلاف" (27) ."
ويبدأ أجريبا هجومه المدمر بالأبجدية، فيأخذ عليها تناقضات النطق المحيرة. ويسخر من النحويين الذين تفوق شواذهم قواعدهم، والذين تتغلب عليهم أصوات الشعب المرة بعد المرة. أما الشعراء فمجانين، فما من إنسان"مالك لصوابه"يستطيع أن يكتب شعرًا. والتاريخ أكثره حديث خرافة. لا"خرافة متواضع عليها"، كما سيصفه فولتير خطأ، بل خرافة دائمة التبديل، يغيرها كل مؤرخ وجيل من جديد. أما الخطابة فهي إفساد البلاغة للعقول. وأما السحر فخدعة؛ وينبه أجريبا قراءه الآن إلى أن كتابه في السحر كان"زائفًا، أو كاذبًا إن شئتم". وإذا كان قد مارس في ماضيه التنجيم والسحر والعرافة والكيمياء القديمة وغيرها من"الجهالات"فإنما كان أكثر ذلك استجابة لفرط إلحاح مشجعيه القادرين على إجزال العطاء له في طلب المعرفة السرية. أما القبلانية فما هي إلا"عقيدة خرافية وبيلة". وأما الفلاسفة فإن اختلاف آرائهم خلافًا يبطلها كفيل بإبقائهم خارج هذه المحكمة؛ فلنتركهم إذن يدحضون آراء بعضهم بعضًا. وما دامت الفلسفة تسعى إلى استنباط الفضيلة من العقل، فسيحبطها