فهرس الكتاب

الصفحة 933 من 15334

بذي خطر، ونفرق بها بين ما هو أبدي وما هو زمني عابر، ونخرج بها الكل من الجزء؛ تلك هي أول ما يلزم للفلسفة من شروط؛ والشرط الثاني هو أن نقبل إقبالًا عن طواعية على الملاحظة والبحث والتفكير، لا نبتغي من ذلك كله غاية وراء المعرفة لذاتها، لا نريد من ورائه اختراعًا أو ثراء أو قوة؛ إنه بمثابة انسحاب الروح حتى لا تتعرض لكل ما يصاحب العمل من استثارة وميل مع الهوى واستمتاع بالثمرة؛ وثالث الشروط هو أن يكتسب الفيلسوف ضبطًا لنفسه وصبرًا وهدوءًا، ولابد له أن يروض نفسه على الحياة المترفعة عن الإغراء الجسدي والمشاغل المادية وأخيرًا يجب أن تشتعل في أعماق نفسه رغبة في"الموكشا"ومعناها التحرر من الجهل، والقضاء على كل الشعور بنفسه الفردية المنفصلة عن سواها، والاندماج السعيد في براهما الذي هو المعرفة الكاملة والاتحاد اللانهائي (112) واختصارًا، ليس الطالب بحاجة إلى منطق العقل بقدر ما هو بحاجة إلى تطهير الروح ورياضتها رياضة تزيد أغوارها عمقًا؛ ولعل في ذلك سر التربية الحقيقية في شتى صورها.

أقام"شانكارا"أساس فلسفته عند نقطة عميقة دقيقة، لم يستطع أحد بعده أن يدركها إدراكًا واضحًا، حتى قيض الله لها بعد ألف عام (عمانوئيل كانت) فكتب كتابه (نقد العقل الخالص) ؛ ذلك أنه ألقى على نفسه سؤالًا هو: كيف تمكن المعرفة؟ إن كل علمنا فيما يبدو آت من الحواس، فهو لا يكشف عن الواقع الخارجي كما هو في ذاته، بل يكشف عن طريقة تشكيلنا لذلك الواقع بحواسنا- وربما بلغ التشكيل حد التغيير من الصورة الأصلية تغييرًا أساسيًا- وإذن فبالحس وحده يستحيل أن نعرف"الحقيقي"معرفة تامة؛ وكل ما قد نعرفه عنه هو العلم به وهو في ثوب المكان والزمان والسببية، وقد يكون ذلك الثوب نسيجًا خلقته حواسنا وعقولنا، فصَوَّرته أو طوَّرته على نحو يتيح له أن يتصيد ثباتًا من هذا الواقع السيال المفلات، وأن يمسك بهذه الصور الثابتة عنه، مع أننا إن استطعنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت