فهرس الكتاب

الصفحة 9423 من 15334

وبهذه الرحلات والمراسيم لم يعد البحر المتوسط مركز حضارة الرجل الأبيض وقوته، وبأ عصر الأطلنطي. ومن بين دول أوربا الثلاث المطلة على المحيط، كانت فرنسا مغلولة اليدين بسبب الحرب الأهلية فلم تشارك في الصراع الدائر حول السيادة على المحيطات. أما إنجلترا وأسبانيا فقد استمر الصراع بينهما، وصارت كل منهما تمتد نحو الأرض الموعودة مثل الصخرة الناتئة في البحر. وبدا من العسير زحزحة أسبانيا عن مكان الصدارة والغلبة في أمريكا، فما وافت 1580 حتى كان لها فيها مئات المستعمرات، على حين لم يكن لإنجلترا شيء قط، وتدفقت الثروات الهائلة من مناجم المكسيك وبيرو إلى أسبانيا، وبدا قدرًا محتومًا أن تحكم أسبانيا نصف الكرة الغربي، وتدخل الأمريكيتين في نطاق كيانها السياسي والديني.

ولم يكن ديرك راضيًا عن هذا المشهد الذي توقعه، أو قانعًا به. وكانت الحرب من أجل السيطرة على العالم، لفترة من الوقت، محصورة بينه وبين أسبانيا. وفي 1585 أمده أصدقاؤه والملكة بالمال اللازم، فجهز ثلاثين سفينة انقض بها على الإمبراطورية الأسبانية. ودخل مصب نهر في شمال غرب أسبانيا، وأعمل السلب والنهب في ثغر فيجو، وعرى تمثالًا للعذراء، وحمل معه المعادن النفيسة والملابس الثمينة من الكنائس. وأبحر إلى جزر الكناري والرأس الأخضر واجتاح أكبرها، وعبر إلى الأطلنطي، وأغار على سان دومنجو، وقبض ثلاثين ألفًا من الجنيهات، منحة أو رشوة، لئلا يدمر قرطاجنة في كولمبيا. وسلب وأحرق مدينة سانت أوجستين في فلوريدا، وعاد إلى إنجلترا (1586) ، لا لشيء إلا أن الحمى الصفراء أودت بثلث بحارته.

تلك كانت حربًا دون أن تحمل اسم الرب. وفي 8 فبراير 1587، أعدمت الحكومة الإنجليزية ملكة إسكتلندة، وهنا أبلغ فيليب البابا سكستس الخامس أنه على استعداد لغزو إنجلترا وخلع إليزابث. وطلب إليه الإسهام بمليوني كراون ذهبًا. وعرض سكستس ستمائة ألف لا تدفع لأسبانيا إلا إذا وقع الغزو فعلًا. وأصدر فيليب لأمره إلى خير قواده، أمير البحر مركيز سانتا كروز، بإعداد أكبر أسطول عرف في التاريخ حتى ذاك الوقت، وتجمعت السفن أو بنيت في لشبونه وأعدت المخازن والمستودعات في قادس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت