إلى الحكمة. وقال أحد المراقبين الذين لا يكنون له كثيرًا من الحب:"كانت معرفته باللغات والعلوم وشئون الحكم أكثر من أي فرد في اسكتلندة (1) "ولكن نفس المراقب أضاف:"أنه كان مغرورًا بشكل غير عادي". وربما كانت هذه السمة أو الميزة ضرورية للمحافظة على الحياة في خضم المتاعب، بقدر ما هي المظهر المضلل لرجل لا يستطيع أن يسترجع في ذاكرته يومًا لم يكن فيه ملكًا. ولا بد أيتحلى بشيء من الذكاء المنقذ ليحتفظ بتاجه على رأسه في إسكتلندة، ويلبس تاجًا أعظم في إنجلترا حتى يموت ميتة طبيعية. وكان متقلبًا إلى حد ما بالنسبة للجنس، فتزوج من الأميرة الدنمركية الكاثوليكية، آن، ولكن لم يكن به ميل شديد إلى النساء، وانغمس في التودد إلى المحظيات إلى حد ساعد على القيل والقال.
وكان عليه أن يشتق طريقه بالحيلة والدهاء وسط الأفكار العنيفة المتصارعة في أيامه. فإن أسرة جيز في فرنسا، والملك فيليب في أسبانيا، والبابا في روما، تعاهدوا معه على استعادة إسكتلندة إلى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية. ولكن الكنيسة الاسكتلندية الوطنية كانت تحسب عليه أنفاسه خشية أن ينحرف عن مذهب كلفن. ولكنه لم يحرق الجسور من خلفه، فتبادل الرسائل المهذبة مع الدول الكاثوليكية، وكان به ميل إلى تخفيف القوانين المفروضة على العبادة الكاثوليكية فأطلق خفية سراح أحد الجزويت، وتواطأ في تهريب آخر (2) . ولكن المؤامرات الكاثوليكية أغضبته، وأثرت فيه البروتستانتية الظافرة في إنجلترا. وتنبأ بما قدر له مع الكنيسة الوطنية الاسكتلندية.
ولم تكن هذه الكنيسة رفيقًا مشجعًا مريحًا، وما حلت سنة 1583 حتى كان قساوستها يشكلون الأغلبية العظمى من رجال الدين الاسكتلنديين، وكانت مواردهم ضعيفة وحظهم من علوم الدنيا ضئيلًا، ومن ثم انصرفوا إلى العبادة والورع والتقوى، وتحلوا بالشجاعة والإقدام، وكدوا وجدوا في إعادة الكنائس المهملة، ونظموا المدارس، وتولوا أمر الصدقات، وحموا الفلاحين من ظلم اللوردات، وألقوا المواعظ المسهبة التي استوعبها ووعاها مستمعوهم، بدلًا من الكتب والمادة