أكثر من أن يحل المشاكل القائمة، إذا ترك الدوافع الإنسانية على حالها دون تغيير. وربما تبين بيكون، في انحلاله الخلقي هو نفسه، الهوة التي خلقها تقدم المعرفة إلى ما هو أبعد من تهذيب الخلق.
ترى ماذا تبقى بعد ما أسلفنا من استنتاجات متأخرة؟ يبقى أن بيكون كان أقوى أهل الفكر والذكاء وأعظمهم أثرًا في زمانه. لقد بزه شكسبير بطبيعة الحال في الخيال والفن الأدبي. ولكن عقل بيكون حلق في الكون كله، مثل نور كشاف يحدق ويحقق مستطلعًا، في كل الزوايا والخفايا، فتمثلت فيه كل حماسة النهضة المتقدة اليقظة، وكل الإنارة والزهو اللذين تملكا كولمبوس وهو يبحر مسعورًا إلى عالم جديد. استمع إلى هذه الصيحة المرحة من الديك روبين Cock Robin وهو يؤذن بانبلاج الفجر:
وهكذا انتهيت من هذا القسط من التعليم الذي يمس المعرفة المدنية، وبهذه المعرفة المدنية ختمت الفلسفة الإنسانية، وبهذه الفلسفة الإنسانية، انتهيت من الفلسفة بصفة عامة. والآن وقد توقفت قليلًا، أنظر إلى الوراء، إلى ما مررت به أو تصفحته، فانه يبدو لي، قدر ما يستطيع الإنسان أن يحكم على نفسه، أن هذه الكتابة ليست أفضل كثيرًا من الصخب أو الصوت الذي يحدثه الموسيقيون عند ضبط آلاتهم، مما لا يطرب الإنسان لسماعه، ومع ذلك فان هذا الضبط سبب في حلاوة الموسيقى فيما بعد. وكذلك قنعت أنا بضبط آلات الوحي والتأمل حتى يكون العزف أفضل والأيدي أقدر. وحقًا، أني إذ أضع أمامي حالة هذه الأزمان التي قامت فيها المعرفة بزيارتها أو جولتها الثالثة، بكل خصائصها، مثل تفوق عباقرة هذا الزمان وحيويتهم، والمساعدات والأنوار التي حصلنا عليها من أعمال الكتاب القدامى، وفن الطباعة الذي ينقل الكتب إلى كل الناس من جميع المستويات، وانفتاح العالم بفضل