طويلًا، نحيلًا، شاحبًا، حزينًا، رجلًا ذا نية طيبة، شوشت عليه حياته الوراثة السيئة. كان ضعيف البنية، قلق العاطفة، سريع الإعياء، وكان عليه أن يجتنب الركوب والصيد، ويلزم فراشه أيامًا إثر دقائق من الغرام النشيط. وقد شكا حكة في جلده لا سبيل إلى برئها، وصداعًا في رأسه ووجعًا في معدته ونزفًا في أذنه. أبيض شعره وسقطت أسنانه قبل ان يبلغ السادسة والثلاثين. أما غطرسته البادية فلم تكن في حقيقتها سوى جبن، وأما قسوته فخوف، فإذا أرسل نفسه على سجيتها كان لطيفًا حذرًا. ولكنه لسوء الحظ كان شديد الولع بارتداء ثياب النساء. ظهر في حفلة رقص مرتديًا ثوبًا انخفضت فتحة عنقه وأحاطت برقبته عقد من اللآلئ، وكان يلبس الجواهر في أذنيه والأساور في ذراعيه. وجمع من حوله اثني عشر «غندورا» ، شباب جعدوا شعورهم الطويلة وصبغوا وجوههم، وازدانوا بالثياب البهية، وضمخوا أنفسهم بالعطور التي نشرت أريجها حولهم. ومع أشباه الرجال هؤلاء ألف أحيانًا-وهو متنكر في ثوب امرأة-أن يعربد في الشوارع ليلًا ويلعب ألاعيبه على المواطنين. وقد أفرغ خزانة بلده المشرف على الإفلاس والفوضى على أحبائه الذكور، فأنفق أحد عشر مليونًا من الفرنكات على زفاف أحدهم، وضاعف ثمن المناصب القضائية ليشتري هدية زواج لآخر. على أنه أنفق بعض مال شعبه في أغراض نافعة-فبني البون نوف وحسَّن اللوفر، وانتشل بعض أجزاء باريس من قذارتها إلى حسن العمارة والنظافة. وأعان الأدب والمسرح. وبذل جهودًا متقطعة للنهوض بالادارة. وتكفيرًا عن كل سيئاته حج مرات راجلًا إلى شارتر وكليري، وفي باريس مشى من كنيسة إلى كنيسة-وهو يعبث بمسبحات كبيرة، وجمع في حماسة الكثير من الصلوات الربانية والسلامات المريمية، وسار في مواكب «التائبين الزرق» الليلية الرهيبة وجسده في غرارة بها ثقوب لقدميه وعينيه. ولم يعقب. أما أمه التي حملت إليه بذور الانحلال من أبوين مريضين فكانت تتطلع في أسى إلى تدهور سلالتها وانقراضها الوشيك.