ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أزهد الناس، مع ما كان يأتيه من الخير العظيم، ولو شاء لكان أعظم الناس ملكًا، وأوسعهم غنىً، ولكنه صلى الله عليه وسلم آثر الحياة الآخرة على الدنيا، ينبئك عن هذه ما رواه أبو أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرض علي ربي أن ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا ، قلت لا يا رب ، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا -وقال ثلاثًا أو نحو هذا- فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك ) ( ) . ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه فقال: ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا ) ( ) . ومعنى قوتًا: أي حاجة المرء من الطعام ليومه، وقيل: معنى القوت ما يسد به الرمق . وفيه دلاله جلية على رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التقلل من الدنيا . وقالت عائشة رضي الله عنها: إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قال عروة: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء . إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار ، وأن لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبياتهم فيسقيناه ) ( ) . والمنيحة هي: عطية الناقة أو الشاة .
ومما ورد على لسان السلف في بيان الزهد ما ذكره علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ارتحلت الدنيا مدبرة،وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل . وعن الحسن رضي الله عنه قال: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال وإضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك . وعن أبي واقد الليثي قال: تابعنا الأعمال أيها أفضل ، فلم نجد شيئًا أعون على طلب الآخرة من الزهد في الدنيا .