وذلك أني سئلت عن قول الراجز: وقولٌ إلا دهٍ فلا ده )
فذكرت أن هذه من باب كلماتٍ نابت عن الفعل فعملت عمله . وده في كلام العرب بمعنى صح أو يصح . ألا ترى أن قومًا جاؤوا إلى سطيحٍ الكاهن وخبؤوا له خبيئة وسألوه فلم يصرح فقالوا: لا ده . أي: لا يصح ما قلت . فقال لهم: إلا ده فلا ده حبة برٍّ في إحليل مهر فأصاب .
فكأنه قال: إلا يصح فلا يصح أبدًا لكني أقول في المستقبل ما تشهد له الصحة . فكان كما قال . إلا أن التنوين في هذه الكلمة ليس كتنوين رجل وفرس ولكنه تنوين تنكير . هذا كلامه .
وحذفت منه ما لا حاجة لنا إليه . وأجاب ابن بري: إن قولك ده اسمٌ من أسماء الفعل ليس بصحيح على مذهب الجماعة ومن له حذق في هذه الصناعة . والصحيح أنها اسم الفاعل من دهي فهو داه ودهٍ والمصدر منه الدهي والدهاء . فيكون المراد بدهٍ فطن لأن الدهاء الفطنة وجودة الذهن فكأنه قال: إلا أكن دهيًا أي: فطنًا فلا أدهى أبدًا أي: فلا أفطن . فهذا أصله ثم أجريت هذه اللفظة مثلًا إلى أن صارت يعبر بها عن كل فعل تغتنم الفرصة في فعله . مثل ذلك أن يقول الإنسان لصاحبه وقد أمكنته الفرصة في طلب ثأر: إلا ده فلا ده أي: إلا تطلب الآن ثأرًا فلا تطلبه أبدًا وهذا الرجز لرؤبة . وقبله: ( فاليوم قد نهنهني تنهنهي ** وأول حلمٍ ليس بالمسفه ) وقولٌ: إلا دهٍ فلا ده