المذهب الرابع أنها لا تأتي بمعنى قد وإنما هي للاستفهام . وذهب إليه جماعة . ثم اختلفوا في الآية فقال أبو حيان: هي على بابها من الاستفهام أي: هو ممن يسأل عنه لغرابته أتى عليه حين من الدهر لم يكن كذا لإنه يكون الجواب: أتى عليه ذلك وهو بالحال المذكورة .
وقال مكي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام: والأحسن أن تكون على بابها للاستفهام الذي معناه التقرير وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث فلا بد أن يقول: نعم قد مضى دهرًا طويل لا إنسان فيه فيقال له: من أحدثه بعد أن يكن وكونه بعد عدمه كيف يمتنع عليه بعثه وإحياؤه بعد موته هو معنى قوله: ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون أي: فهلا تذكرون فتعلمون أن من أنشأ شيئًا بعد أن لم يكن قادر على أعادته بعد موته وعدمه . انتهى .
قال السمين في الدر المصون: قد جعلها لاستفهام التقرير خلافًا لأبي حيان في جعله استفهامًا محضًا لأن التقرير الذي يجب أن يكون لأن الاستفهام لا يرد من الباري تعالى إلا على هذا النحو .
وإلى القرير ذهب الزجاح أيضًا . قال: معنى هل أتى على الإنسان أي: ألم يأت على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا . واللمعنى: قد كان شيئًا إلا أنه كان ترابًا وطينًا إلى أن نفخ فيه الروح فلم يكن قبل نفخ الروح فيه شيئًا مذكورًا .
ويجوز أن يكون يعنى به جميع الناس ويكون أنهم كانوا نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا إلى أن صاروا شيئًا مذكورًا . انتهى .
وقد اختار هذا المذهب ابن جني فقال في باب إقار الألفاظ على أوضاعها الأول من كتاب الخصائص: وأما هل فقد أخرجت عن بابها إلى معنى قد نحو قول الله: هل أتى على الإنسان قالوا: معناه قد أتى عليه ذلك .