وكذلك أورده الفراء عند تفسير قوله تعالى: إنها إن تك مثقال حبةٍ من خردل قال: فإن قلت: إن المثقال ذكر فكيف قال: تك قلت: لأن المثقال أضيف إلى الحبة وفيها المعنى كأنه قال: وقوله: لا تبعد أي: لا تهلك وهو دعاء خرج بلفظ النهي كما يخرج الدعاء بلفظ الأمر وإن كان ليس بأمر نحو: اللهم اغفر لنا . يقال: بعد الرجل يبعد بعدًا من باب فرح إذا هلك وإذا أردت ضد القرب قلت: بعد يبعد بضم العين فيهما والمصدر على وزن ضده وهو القرب وربما استعملوا هذا في معنى الهلاك لتداخل معنييهما . فإن قيل: كيف قال: لا تبعد وهو قد هلك أجيب بأن العرب قد جرت عادتهم باستعمال هذه اللفظة في الدعاء للميت ولهم في ذلك غرضان: أحدهما أنهم يريدون بذلك استعظام موت الرجل الجليل وكأنهم لا يصدقون بموته . وقد بين هذا المعنى النابغة الذبياني بقوله: ) ( يقولون: حصنٌ ثم تابى نفوسهم ** وكيف بحصنٍ والجبال جنوح ) ( ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل ** نجوم السماء والأديم صحيح ) أراد أنهم يقولون: مات حصن ثم يستعظمون أن ينطقوا بذلك ويقولون: كيف يجوز أن يموت والجبال لم تنسف والنجوم لم تنكدر والقبور لم تخرج موتاها وجرم العالم صحيح لم يحدث فيه حادث .
وهكذا تستعمله العرب فيمن هلك فساء هلاكه وشق على من يفقده . قال الفرار السلمي: ( ما كان ينفعني مقال نسائهم ** وقتلت دون رجالهم: لا تبعد )