فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 364

فهذه النُّصوصُ مِن كتابِ ربِّنَا تنفي المؤاخذةَ والحرجَ علَى الْمُكْرَهِ بقولٍ أو فعلٍ.

-المكرَهُ الَّذي لا اختيارَ له بالكلِّيَّةِ ولا قدرةَ له علَى الامتناعِ.

مثلُ: مَن حُمِلَ كرهًا وأُدْخِلَ في مكانٍ حَلَفَ ألا يَدْخُلَهُ.

أو: أُضْجِعَتْ ثمَّ زُنِيَ بها مِن غيرِ قدرةٍ لَهَا علَى الامتناعِ، فهذا لا إثمَ ولا مُؤاخذةَ عليهِ بالاتِّفاقِ، ولا يَترتَّبُ عليهِ حِنْثٌ في يمينِهِ.

-المكرَهُ الذي هو مختارٌ مِن وجهٍ وغيرُ مختارٍ مِن وجهٍ آخرَ.

مثلُ: مَن أُكرِهَ بضربٍ أو غيرِهِ حتَّى فعلَ، فهذا الفعلُ يتعلَّقُ بهِ التَّكليفُ؛ لأنَّ بإمكانِهِ ألاَّ يفعلَ ولكنَّ غرضَهُ مِن الفعلِ دفعُ الضَّررِ عن نفسِهِ لا الفعلُ نفسُهُ.

في مثلِ هذه الحالةِ مِن الإكراهِ اختلفَتْ أنظارُ أهلِ العلمِ:

-الإكراهُ في الأفعالِ فيهِ تفصيلٌ:

فمثلاً: لو أكرِهَ زيدٌ مِن النَّاسِ علَى قتلِ عمرٍو مِن النَّاسِ، فلا يحلُّ له أن يقتلَهُ.

قالَ القرطبيُّ: (أجمعَ العلماءُ علَى أنَّ مَن أُكرِهَ علَى قتلِ غيرِهِ أنَّهُ لا يجوزُ له الإقدامُ علَى قتلِهِ، ولا انتهاكُ حرمتِهِ بجلدٍ أو غيرِهِ، ويصبرُ علَى البلاءِ الَّذِي نزلَ بهِ، ولا يحلُّ لهُ أن يفديَ نفسَهُ بغيرِهِ، ويسألُ اللهَ العافيَةَ في الدُّنيا والآخرةِ) (1) .

وجمهورُ أهلِ العلمِ يرَوْنَ أنَّهُمَا يشتركانِ في وجوبِ القَوَدِ: المكرَهُ والمكرِهُ؛ وذلك لاشتراكِهِما في القتلِ، وهذا ما ذهبَ إليهِ مالكٌ والشَّافعيُّ، وهو المشهورُ عن أحمدَ، ولو أُكْرِهَ علَى الزِّنا خلافٌ بينَ العلماءِ:

فمنهُمْ: مَن أجازَ لهُ الفعلَ:

ومنهُمْ: مَن حرَّمَ عليهِ ذلكَ، وقالُوا: لا يجوزُ له أن يقدِمَ علَى ذلك بأيِّ حالٍ مِن الأحوالِ، وهذا ما ذهبَ إليهِ الحنابلةُ.

(1) تفسير القرطبي (10/ 183) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت