والحق أنّ رفض الدولة لحكم الشيخ الظواهريّ بعد الموافقة علي تحكيمه، لا يقل شناعة عن أمر شق الجولاني عصا الطاعة. فقد ركبت الدولة رأسها ونبذت ما كانت تعهدت بالموافقة عليه. ومن ثم، تراكمت الأخطاء، وبدأت دورة الغلو، بين الأمراء المنتمين لها ثم من الأنصار على تويتر، ثم تطورت إلى تسونامي تكفير اجتاح البلاد وأدى إلى قتل الكثير من المسلمين وسبي النساء دون ذنب. آخر ذلك ما أعلنه أبو دجانة القزبيز، أمير في الشرقية، من كفر الجبهة واستحلال دمائهم واستحياء نسائهم وتتبع جرحاهم! وهذا إيغال في الغلو والبعد عن الشرع، بل يصل إلى حدّ الإجرام، في رأينا، ممن يعلن مثل هذا الإعلان، ويقتل مسلمين موحدين، ارتدّوا بزعمه! وقد أنكرنا على أبو الليث [1] ، ممن ينتمى إلى الجبهة، في خطبة جمعة حين تحدث عن أولوية قتال الدولة على قتال النصيرية. هذا تطرف شديد من الجانبين.
وما أظن ذلك إلا لإعتمادكم، كغيركم حتى لا نظلمكم، على فتاوى من يطلقون على أنفسهم"شرعيون"، وأكثرهم حديثوا عهد بعلم، والأهم أنّ غالبهم لم ينضج سياسيا ولا علميا، بعد أن حاد عنكم غالب من هم من أهل السبق العلمي والجهادي. وأنتم أدرى بما يفعل عدم النضج العلمي والسياسي بأصحابه! ثم استرشاد هؤلاء بالشيخ الحازميّ. ولا يخفى عليكم أن هذا الانغلاق الشرعيّ، الذي أبعدكم عن كثيرٍ من أصحاب النظر قد آتى أكله في الطريقة الي تتعاملون بها مع المواقف، التي تسمونها"التمسك بما نحن عليه من حق". وهي دعوى عريضة، إن جاءت ممن يحتاج لدربة في الفتوى وخبرة في الدهر وأحواله.
ثم الأمر الثاني هو التعامل مع مصطلح"الدولة"، وما جرّه ذلك المصطلح من أزمات على ساحة الحركة الإسلامية كلها في الشام.
فقد انطلقت"الدولة"من قناعات وتصورات، لا أقول إنها أخطأت فيها، قدر ما أقول إنها قد خُلّط عليها أمرها فيها، فاستصحبت أفكارا وأوضاعا سياسية وتركيبات اجتماعية لا تنطبق على أرض الواقع من ناحية، ولا تسير على نهج الشرع أو رواية التاريخ من جهة أخرى، حتى وإن أقر عليها الشيخان أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وهي إنها"دولة".
وقد ساءلت في مقال سابق لي، لا بأس من نقل جزء منه هنا لأهميته، قلت "غموض مفهوم"الدولة"لدى مسؤوليها، وبالتالي لدى أتباعها ومن يتبع الأحداث. فالدول، من حيث هي دول، لا تزال تنظيمات اجتماعية، تقوم بأدوار معينة، في مجالات الحياة، وهو ما قد تقوم به جبهات أو إمارت، أو ماشئت. وفي رأينا أن توصيف "الإمارة" أقوى من توصيف"الدولة"، إذ توصيف الدولة أمرٌ لا دلالة عليه في الشرع، بل هو تاريخي وضعي، أمّا الإمارة، فهي مما ثبت شرعًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته وتابعيهم. ومن تمسك بتعبير الدولة إنما وقع في شرك تسمية محدثة، وتعريف وضعيّ، بنكهة إسلامية! وإلا فيجب أن يتحدد معنى"الدولة"المقصودة هنا، وما تشبيهها بدولة المدينة إلا إسقاط لتسميات مؤرخين مُحدثين على وضع الجماعة المسلمة في المدينة وقت النبوة. ولم يكن معروفا أيامها"دولة"مكة في مقابل"دولة"المدينة. وما هذا التمسك إلا أثر من الآثار الخفية لسايكس بيكو [2] ، التي تعطي تعبير"الدولة"احترامًا وحقوقًا أكثر من الإمارة أو الولاية أو الخلافة".
الشاهد أنّ"الدولة"هنا، قد ألزمت نفسها، وعاملت غيرها، بمفهوم غير واضح ولا مستقر. فإن عنت بإطلاق لفظ"الدولة"ما يقصد به القانونيون في العصر الحديث، فلابد لها من عاصمة، وحدود مستقرة، لا تتغير كل فترة حسب ما تفقد من أرضٍ، أو تستولي عليها. وأظن أن"الدولة"لا تقصده، من حيث إنه اتباع لمفهوم سايكس بيكو في تقسيم أرض الله! وقد كانت الدولة الكندية عرضة للإنقسام عام 1996، من قبل الجزء الفرنسي فيها، وكانت تستعد لتغيير كلّ ما هو متعلق بكيانها إن حدث الانشقاق، إذ
(1) قتل أبو الليث مؤخرًا في البوكمال على يد فصيل ينتمى"للدولة".
(2) ولنا في مفهوم سايكس بيكو كلام في مقالٍ سابق، نعود اليه بعد إن شاء الله.