تغير الحدود يملى تغيرات كثيرة تتبعه، في منطق الدول الحديثة. وإن لم تكن تقصد هذا المصطلح بمعناه الوضعيّ، فلماذا تحارب دونه، وتوالى وتعادى دونه، بل وتغرس في عقول أتباعها وأنصارها كلّ هذا التحيز والتعصب للمصطلح، حتى إنهم يفاصلون عليه. ثم إن"المدينة المنورة"لم تكن دولة، ولم يُطلق عليها أحدٌ اسم الدولة إلا المؤرخين المحدثين في القرن الماضي. ولذلك قال د أيمن الظواهري"ليس هناك شيء الآن في العراق اسمه القاعدة، ولكن تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين اندمج بفضل الله مع غيره من الجماعات الجهادية في دولة العراق الإسلامية حفظها الله، وهي إمارة شرعية تقوم على منهج شرعي صحيح وتأسست بالشورى وحازت على بيعة أغلب المجاهدين والقبائل في العراق". فكما قلنا في مقالنا السابق، إن توصيفها الحقيقي في العراق هو"الإمارة"، وهي بإذن الله مشروع دولة، إن التزمت بالسنن.
بل وإن حركة حماس، التي تتحكم في قطاع غزة منذ سنين، لا تعتبر دولة على وجه الحقيقة.
إذن، فنحن نرى أن"الدولة الإسلامية في العراق والشام"ليست إلا إمارة شرعية، تقوم على تنظيم جهادي على الأرض، وإن اختار لنفسه أن يسمي كيانه"الدولة". ونرى أنّ هذا كان مقنعًا في وقتٍ ما بالعراق، من حيث أنّ هناك دولة المالكيّ الرافضية، ودولة الأكراد ذات الحكم الذاتي، فلم لا يكون هناك"دولة"للسنة، إغاظة للعدو، واستعدادا لما هو آت؟
وقد أدى هذا التشبث بمصطلح الدولة فيما أرى، إلى أن تشدد التنظيم في قتاله غيره من الجماعات الجهادية، كما جاء في رسالتكم، قلتم".. بل نحن دولة، غاية جهودنا منصبة على كافة الجوانب والوزارات؛ فمنها العسكري ومنها الأمني ومنها الإداري ومنها التنظيمي ومنها الاجتماعي ومنها الشرعي ومنها الحسبوي ومنها التعليمي والتربوي ومنها الإعلامي، ومنها غير ذلك". والأمر، إخواني، أنّ بقية التنظيمات تقوم بهذه الخدمات كذلك. ويكفي أن نشير إلى وهن هذه التسمية ما ذكرنا من أنّ"وزارة الإعلام"أو"هيئة الإعلام"لديكم لا تتمكن من إصدار بيانٍ طالبنا به، ولو كل شهر، للدفاع عن عقيدتكم التي تعلنوها، ثم يعلن خلافها أشهر أنصاركم، بل ومن يعمل لحسابكم كذاك الأغيلم الشاميّ!
وأنا لا ألومكم، ولا ألوم أنصاركم على ما يعتلج في الصدور من آمال"الدولة"، وهو حلمٌ سبق أن قلتُ فيه"وأسارع بالقول كذلك إنّ الإعلان عن"الدولة الإسلامية في العراق"أولًا، ثم إعلان تمددها إلى الشام ثانيًا، قد أحيا في قلوب الكثير الغالب من المسلمين أملًا كان بعيدًا فقربته، وأوردتهم ظلًا في صحراء الهزيمة ومدّته. وكان هذا، ولا يزال حيًا في قلب كاتب هذه السطور، يشهد الله" [1] . لكن هذا الحلم، قد تحول على الأرض إلى أخطاء في التطبيق، تجاوزت حد السنة، وأهريقت بسببه دماءٌ مسلمة بغير حق.
ومن أخطر ما أدى اليه هذا النظر، هو أنه أوجد فجوة بين ما تقولون في العلن من إنكم على مذهب السنة والجماعة، وإنكم لا تكفرون المسلمين بالمعاصى، ومثل هذا مما في عقيدة أهل السنة المعروفة، وبين ما يتمّ على الأرض من تجرء مخيفٍ في قتل وسلب أموال من قرى وأماكن بدعوى أنها تخضع لجبهة النصرة، ثم قتل أبو سعيد الحضرميّ، وهو من أسوأ أفعال هذه"الدولة". وبدعوى أنّ جبهة النصرة قد ارتدّت بتعاونها مع الجيش الحرّ. والشاهد على ذلك ما رأينا من بشاعة ما فعل أبو عبد الرحمن العراقي، مما أقرته عليه الدولة، بعدم إعلان محاكمته، رغم أن ذلك تفعله الدول حقيقة حين يرتكب أحد أبنائها جرمًا له صدى في الواقع الإعلاميّ. وعذركم، أنه لا يمكن أن تعلنوا عن كل شئ لأنكم"دولة"، والعكس هو الصحيح.
(1) مقالنا"مسائل في السياسة الشرعية تخص الجهاد في الشام"http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72553