فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 721

ونذكر القارئ، والباحث، أنّ الأمر الشرعي تقع به المصلحة ويتحقق به الفوز، بتلازم حتمي كونيّ، قد جعله الله خاصية لأمره الشرعي [1] ، فمن فرّق بين المصلحة في رؤية أو طرح وبين الأمر الشرعي الموافق للمعقول والمنقول، لم يصب هدفا ولم يحرز نجاحا بلا بد.

وفي هذه الرؤية التي طرحها الباحث نرى كثيرا من الفجوات والثغرات فيما ذكرنا آنفا من النقاط. ونحن نود لو كان مزيدًا من التفاصيل موثقًا فيما عرض، لكن نذكر بعض الفوائد والمآخذ الشرعية والوضعية علي ما جاء.

لاشك أنّ إعلان الدول لا يجب، بالمعنى الشرعي للوجوب، ومن ثم لا ينتج خيرا إلا إن اكتملت أشراطه، حتى لا يكون عبرة للمعتبرين. وقد رأينا ثلاثة أمثلة من هذا الإعلان في السنوات الأخيرة، أولها تونس، والتي بسبب علمانية القائمين عليها تحولت مرة أخرى إلى علمانية صرفة. والثاني مصر، ورأينا كيف أن بدعة من وصل الأمر إلى أيديهم وعدم فهمهم للواقع الدولي أو المحلي أو حتى الوطني المصري وعمق دولة مبارك، قد أوقعت الحكم في يد عصابة صهيونية مارقة عسكرية ملحدة، تجاهد المجاهدين. والثالث هو كيان ابن عواد الداعشيّ، وقد رأينا كيف شقت بخرافتها صف الجهاد الشاميّ، ثم إذا بها في انحسار إلى زوال بلا شك.

ثم يجب أن يكون مفهوما أن دخول ممثلي الجماعات الجهادية في الكيانات البرلمانية لتحقيق"السقف الشرعي"، هو أولًا مرفوض شرعًا من حيث النص والواقع غير المنفصلين إلا في عقلٍ لم يستوعب الشرع. وقد بيّنا من قبل في مواضع عدة، كما بيّن غيرنا، أن دخول هذه البرلمانات ابتداءً لا يصح إلا إن تحقق القصد وحصلت القدرة على متابعة الشرع، لا إقامة الحدود نقصد، بل متابعة الشرع فيما تمليه النصوص الصحيحة والقواعد الثابتة. وثانيا، الخطأ الأكبر في ذلك الطرح هو إنه افترض أن السياسة والقتال يمكن أن يتسايرا. وهذه بساطة شديدة في الطرح وفي تقدير السياسة الغربية الحالية، من أنها أن تحطم كل أمل في تحقيق تقدم للمسلمين على الأرض. ذلك أنّ السياسة تنتهي عند أول طلقة رصاص، والطلقات تتوقف عند نصب مائدة السياسة. وهذا مبدأ معتمد عند الغرب لا استثناء فيه بأي شكلٍ من الأشكال، صاغوه وبينوه واستعملوه ما لا يحصى من المرات، وقد ضحّوا برهائن من أجل عدم"التفاوض"مع الارهابيين"اللذين هم من حمل سلاحًا ولو دخل برلمانًا!"

فمقولة أن يتوازى العمل العسكري المطلوب لإقامة الحق ودفع الظلم بإزالة الأنظمة القائمة في تلك الدول"المسلمة"مع العمل السياسي من خلال كياناتها القائمة، باطلٌ شرعي ووهم واقعيّ، هو أقرب في الإيهام لوهم العوادية الداعشية في إقامة"دولة"عن طريق سفك دماء المجاهدين من مخالفيهم!

وكلمات الباحث تصور مجموعة من المحاربين القدامي الذين حاربوا القذافي، من الجماعة الإسلامية المقاتلة، وبعض شباب الإخوان وبعض العلمانيين. فهم خليط رأي ضرورة الإمساك بعصا السياسة مع محاربة النظام الحكومي وقوات تنظيم داعش. وقد تحولت ليبيا بهذه الفوضى إلى دولة فاشلة ساقطة. والأمر أن ليس هناك جيش حقيقي يمكن أن يقال إنّ مجموعة المؤتمر الوطني قد اخترقته. بل إن الغرب قد أفشل مشروعهم على الفور بمقاتلي حَفتر، وبالبرلمان الليبي. فما هو النموذج الذي يريد الباحث أن يسير عليه المجاهدون؟ أيّ نتيجة جعلت الباحث يرى أنّ هذا النموذج هو الأفضل نتيجة والأصح توجهاَ؟

الأمر هو أن التغلغل الشعبي أحد طرق مواجهة الأنظمة بلا شك، وهي إشراك الأمة في المواجهة بلا شك. فالأمة هي المدد، بعد الله سبحانه، الذي يمد الحركات التي تواجه النظم بالعدد والعدة. لكن أمر التغلغل في المؤسسات القائمة أمر يُحسب حسابه

(1) راجع كتابنا"المصلحة في الشريعة الإسلامية"الفصل الثالث: الحلال والحرام في ضوء المصلحة الشرعية، ص 24

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت