فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 721

والنكتة في هذا الأمر أن تلك المطلوبات لم تأت على تقدير معين، أو حد موزون، ولذلك فإن ليس فيها على العموم حدودا مقررة. فهي بهذا المعنى تجرى على طول طرفي العمل، وجوبا وندبا في المأمور، وتحريما وكراهة في المنهي عنه. فمثلا لا يمكن لأحد أن يضع حدا للبخل، يكون من يتجاوزه معاقبًا، أو الانفاق، إنما يرتبط بالقدرة والكفاية، كذلك العدل اإحسان، ليسا على وزان واحد في كل أمر، فتقديرهما متروك للمكلف القادر (المجتهد) أن يقدرهما في كلّ حالة، منها ما يكون وجوبا ومنها ما يكون ندبا، مثل التعدد، وهكذا.

ولكن هذه العمومات قد وردت في القرآن على شكلين:

أولهما: عمومًا وإطلاقًا يشملان ابتداء في الوضع الاستعمالي القرآني كل منظومة الواجب والمندوب أمرًا، والحرام والمكروه نهيًا، فيحتملا في ذاتهما أي درجة من درجات التكليف الأربعة، كما ضربنا المثل بالعدل واتباع الشهوات

وثانيهما: ما وضْعُه في النص القرآني دالٌ على الغاية منه، تنصيصا عليها، كما عبر الشاطبيّ، أي على أعلى درجاته، في الوجوب أو التحريم. وهذا مثل العموم الذي في"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، ففي هذه الآية لا يحتمل النص في موضعه أن يفسّر بأي نوع من الكفر الأصغر، بل هي في مناط الكفر الأكبر لا غيره. لكنّ المجتهد قد يوقعها على مناط كفر أصغر بدليل خارجٍ عن ذات النص المنزّل في الآية. وقد وجدنا أن غالب ما أتى من أمر ونهي في هذا الشكل من العموم إنما يأتي بصيغ شرطية، لا بصيغ مفردة، مثل"من في سياق النهي والنكرة"كما ورد [1] .

ونضرب مثالًا على انحراف فكر العوادية، ومن يقف وراءهم من مدعى العلم، بما جاء في موالاة أعداء الله، إذ لم يأت ما يحددها، أو كيفيتها أو تقديرها بشكلٍ محدد، إنما جاءت في الشكل الثاني من العموم، بصيغة مطلق النهي"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، فجاء بصيغة"من"الدالة على العموم وعلى الشرط. وما جاء بصيغة شرطيه، فقد جاء في سياق الاثبات لا النفي"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"فلا تدل على حصر، إذ رأينا في آية"ومن لم يحكم"أن أمر كونه كافرا لا يحتاج إلى أمرٍ خارج عن المحصور فيه، وهو عدم الحكم، ويثبت بعدم الفعل. فصيغة الآية تدل على الغاية. بينما في آية"ومن يتولهم منكم"تحتاج إلى تعريف خارج عن الآية بما يدل على الكفر. وهو ما يدل على دخول نصها أصلًا تحت الشكل الأول من أشكال العموم النصيّ القرآني، اللذين ذكرناهما.

من هذا النظر الاستدلالي، نرى أنّ من يأت بآيات الولاء، يستدل بها على الشكل الغائيّ من أشكال الولاء فقد أبعد النجعة وخرج عن الفهم القرآنيّ، إلا أن يثبت بدليل من الخارج مناط الولاء الذي وصفه، وأنه ولاء مكفر، بغير الآية القرآنية.

المسألة الثانية: عدم الجمع بين أطراف الأدلة ليتحقق تصور عام شامل لا يهمل جزئية لحساب أخرى:

(1) وهذه النقطة الأخيرة خارجة عما ذكره الشاطبي في كتابه رحمه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت