والشكلين الأول والثاني قد نقل الإجماع على كفر فاعلهما كثير من العلماء، ويبقى حكم الاستتابة للمعين، فيعرض عليه الحجة الرسالية أولًا لمظنة العذر بالجهل خاصة مع استشراء هذه البدع في كل بيئة وكبقة، فإن أبي قُتل ردة.
أما الشكل الثالث، فهو ما اختلف فيه البعض، فاعتبره بعض العلماء مثل النوعين الأوليين، واعتبر الجمهور، وما نأخذ به هنا، إنه بدعة محرمة تفضى إلى الشرك ذريعة ووسيلة. فإن حقيقة ما ارتكب المعين هنا هو نقل مكان الدعاء من أي مكان آخر إلى جوار القبر لإعتقاد طهارته، ظنا منه إنه مثل الدعاء في الكعبة أو مسجد المدينة. وهذه بدعة، كما نقل ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عدم ورود ذلك عن السلف على وجه الإطلاق، وإنه يراه بدعة محرمة يجب النهي عنها والتغليظ على فاعلها من حيث إنها باب للشرك، قال شيخ الإسلام نصًا"الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره، فهذا النوع منهيّ عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، وهو إلى التحريم أقرب، والفرق بين البابين ظاهر" [1] . وهذا النصّ لا يدع مجالًا لمعلق.
الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين او شك في كفرهم او صحح مذهبهم كفر اجماعا.
وهذا الناقض مجمع عليه في العموم، لكن يجب تفصيله ورده إلى جزئياته للنظر فيها، إذ منه ما هو مسلم به بالضرورة ومنه ليس بمسلم.
أما المسلم به بالضرورة، فهو كفر أعيان الطوائف المذكورة في القرآن كاليهود والنصارى والمجوس والملاحدة (من أنكر وجود الله أصلًا) . فمن لم يكفر هؤلاء عينا، أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فقد كفر بالله وخرج عن دينه إجماعًا. كذلك ما قررنا في كفر الشكلين الأوليين في الناقض السابق، مع فارق ثبوت الكفر عينا أصلًا في تلك الطوائف، وثبوتها بعد إقامة الحجة في شكليّ الناقض الأول مع ثبوت أصل كفر العمل ذاته بلا خلاف.
أما ما يثبت كفرًا بالاجتهاد، وما يتعلق بمناطات كفر في الكتاب والسنة، مما يتعلق بعمل، فيثبت فيه الكفر على شرطين: أولهما أن يتفق العلماء المعتبرون أن هذا الفعل كفر ابتداءً، وثانيهما: أن يرتفع الجهل عن فاعله ببلوغ الحجة الرسالية، سواء بانتشار العلم مما لا يدع محلًا للجهل بها، مثل كفر تارك الصلاة جملة، أو من شرّع بغير ما أنزل الله، أو بالبلاغ الفردي العينيّ. وبلوغ الحجة غير فهم الحجة، ففهمها هدى من الله، إنما الشرط هنا بلوغها، كما بيّنا في كتابنا"الجواب المفيد".
وقد أُسندت هذه الجزئية إلى قاعدة أن"من لم يكفر الكفار فهو كافر"، وقد ذكرنا أنّ هذه القاعدة صحيحة صحة مطلقة في الصنف الأول من الكفر أعلاه، لكنها تحتاج إلى كثير من التفصيل وتحقيق المناط في الصنف الثاني.
وقد أضاف الحرورية الحازمية مناطًا آخر للكفر هنا، وهو كفر من لم يكفر من لم يكفر المشركين، وهو، مرة أخرى تكفير باللوازم، وهي تثبت بعد بلوغ الحجة الرسالية.
(1) "افتضاء الصراط المستقيم"ابن تيمية، طبعة مكتبة الرياض الحديثة ص 337، وهذه طبعة قديمة اقتنيتها في المدينة المنورة في 8 شعبان 1397، حيث كنت أعمل مديرا لأحد المشروعات هناك.