الناقض الرابع: من اعتقد ان غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم اكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه فهو كافر. وهذا ناقض للإسلام بإجماع، والحكم هنا ليس مرادفًا للممارسة، بل هو مرادف للتشريع المطلق. فقد يكون هناك اضطرار أو إجبار على تنفيذ حكم، أو أحكام، غير شرعية، في حالات معينة [1] ، لذلك ارتبط القول هنا بمن"اعتقد". والاعتقاد هو مركب من المعرفة والتصديق. ثم التصديق، إما جازم، على مذهب الأحناف في الإيمان [2] ، فهو مستلزم الالتزام بالعمل ضمنًا، أو غير جازمٍ، كما عند بقية أهل السنة، فهو مستلزم للإلتزام ونية العمل انفصالًا. والاعتقاد بأن حكم (تشريع) غير حكم الله، على كلا المفهومين للتصديق، أفضل من حكم الله، فقد كفر بلا شك.
وصور التشريع بغير ما أنزل الله سبحانه معروفة، أشهرها في عصرنا تبنى المذهب الأيديولوجي العلمانيّ، المرتبط بالتطبيق الديموقراطي في السياسة، والرأسمالي في الاقتصاد والفردي في الاجتماع. وهي كلها تنبع من مشكاة واحدة، رفض وحي السماء، والركون إلى الأرض بما يدل عليه عقل الناظر، أيا كان.
من هنا قلنا إن الرضا بالحكم (التشريع) بغير ما أنزل الله هو كفر أصليّ أتت به الآيات في صورة عامة غائية. إنما الأمر فيما يدل على هذا الرضا. وإتخاذ وسائل العلمانية سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع لا شك فيها دلالة على رضى ما، لكن يستلزم الأمر أن يظهر الرضى بالأصل، وهو تفضيل حكم غير الله على حكم الله، بأن تُبين العلاقة بين الغاية والوسيلة، بين تطبيق"الشكل الديموقراطيّ"وأصل مبدأ أن حكم غير الله أفضل وأصلح، وأن أمر الشعب للشعب، لا لله، والتحقق من أنْ لا ضبابية في مفهوم الأصل، الذي قد يختلط على البعض من الجهال بمبدأ الشورى شكلًا.
كذلك، في التطبيق الرأسمالي والاجتماعيّ، وهو ما لم تركز عليه كتابات من هاجموا العلمانية الديموقراطية، وكأن السياسة هي جانب الحياة الأوحد في الحياة. فإن المذهب الرأسماليّ قد يشتبه في بعض التفاصيل مع الاقتصاد الإسلاميّن لكن ليس هنا موضع التوسع في هذا الأمر، كذلك النظرة الإجتماعية قد تتشابه فيما بين العلمانية الإسلام، من حيث، مثلًا، احترام حرية الفرد واختياره، حتى لدينه (لا إكراه في الدين) ، لكن تختلف عنه في معنى هذه الحرية وحدودها وتماسها مع حقوق المجتمع ككلّ، حيث تتوارى حقوق المجتمع بصورة كبيرة في النظر العلماني الاجتماعي بجانب حرية الفرد، ولا توجد إلا في أضيق نطاق ممكن.
الناقض الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو لم يعمل به كفر اجماعا. وهذا ينشأ من كراهة أصيلة وأصلية في نفس الكافر لما جاء به الوحي، فتراه يكره ذكر الله"وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين كفروا"، وهذا نتيجة للكره كما بيّن تعالى"ذلك بانهم كرهوا ما انزل الله فاحبط اعمالهم". والبغض أمر باطن لا يمكن أن يعرف إلا إن دلّ عليه دليل من ظاهرٍ، فمن فعل ذلك دون أن يبدو منه أمرٌ ظاهر كان كافرًا على الحقيقة، عند الله تعالى، مثل أن يستهين بمواضع الاستشهاد من قول الله ورسوله، أو يرفعها من محل يُحتاج فيها اليه، أو يفعل بفمه أو
(1) ليس منها حالة حكام العرب الطواغيت الذين يفرضون الأحكام الوضعية بلا إجبار ولا اضطرار، بل استحسانا وتفضيلا.
(2) راجع كتابنا"حقيقة الإيمان"في باب"الاعتقاد"، ففيه ضرح وافٍ لهذه النقطة الإشكالية.