القوم الظالمين"، وقال"والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"الأنفال 23. وهو أمر ثابت كتكرر متقرر في الشريعة لا خلاف فيه على وجه العموم."
لكن صور الولاء والبراء، وأعلاها المظاهرة، أي المناصرة الفعلية في حرب، كثيرة متعددة، وهي مثال على ما ذكرنا في أشكال العموم في مقالنا السابق"تأسيس النظر"قلنا"ونضرب مثالًا على انحراف فكر العوادية، ومن يقف وراءهم من مدعى العلم، بما جاء في موالاة أعداء الله، إذ لم يأت ما يحددها، أو كيفيتها أو تقديرها بشكلٍ محدد، إنما جاءت في الشكل الثاني من العموم، بصيغة مطلق النهي"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، فجاء بصيغة"من"الدالة على العموم وعلى الشرط. وما جاء بصيغة شرطيه، فقد جاء في سياق الاثبات لا النفي"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"فلا تدل على حصر، إذ رأينا في آية"ومن لم يحكم"أن أمر كونه كافرا لا يحتاج إلى أمرٍ خارج عن المحصور فيه، وهو عدم الحكم، ويثبت بعدم الفعل. فصيغة الآية تدل على الغاية. بينما في آية"ومن يتولهم منكم"تحتاج إلى تعريف خارج عن الآية بما يدل على الكفر. وهو ما يدل على دخول نصها أصلًا تحت الشكل الأول من أشكال العموم النصيّ القرآني، اللذين ذكرناهما. من هذا النظر الاستدلالي، نرى أنّ من يأت بآيات الولاء، يستدل بها على الشكل الغائيّ من أشكال الولاء فقد أبعد النجعة وخرج عن الفهم القرآنيّ، إلا أن يثبت بدليل من الخارج مناط الولاء الذي وصفه، وأنه ولاء مكفر، بغير الآية القرآنية."اهـ
فتعدد صور الولاء لغير الله هو ما يجعله ولاءً مكفراُ أم معصية (ولاء أصغر إن شئت، يجري بين التحريم والكراهة) . وأنقل هنا قول الطاهر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير، في آية المائدة 51 لأهميته القصوى وغناه عن كثير غيره، قال رحمه الله ما نصّه"مَنْ شرطية تقتضي أن كلّ من يتولاهم يصير واحدًا منهم. جعل ولايتهم موجبة كون المتولي منهم، وهذا بظاهره يقتصي دخول في ملتهم (ظاهرا باعتبار المعنى اللغوي) [1] ، لأن معنى البعضية هنا لا يستقيم إلا بالكون في دينهم. ولمّا كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتّبع الرسول ولم ينافق كان مسلمًا لا محالة (على الحقيقة) ، كانت الآية بحاجة إلى التأويل [2] ، وقد تأولها المفسرون بأحد تأويلين: إما بحمل الولاية في قوله تعالى ومن يتولهم على الولاية الكاملة (أي الصورة الغائية من الولاية) التي هي الرضى بدينهم والطعن في دين الإسلام، ولذلك قال ابن عطية: ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النار ... حتى قوله: وقد اتفق أهل السنة على أنّ ما دون الرضى بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية لا يوجب الخروج من الربقة الإسلامية، ولكنه ضلال عظيم، وهو ماتب في القوة بحسب قوة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين (وهو ما ذكؤنا في بحثنا من أنه ورد بعموم من الشكل الأول المستغرق لدرجاته في النصّ القرآني) " [3] . ونحن هنا لا نربط كفر الموالى المظاهر المناصر في القتال بثبوت عقيدة إيمانية، بل يكفى العمل بذاته دون تأويل، لكنّ اعتبار القرائن من تمام الفقه.
ثم يسرد ابن عاشور واقعة هامة جدًا ننقلها بنصها"وأعظم هذه المراتب القضية التي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناظة، الي سئل عنها فقهاء غرناظة: محمد المواق، محمد ابن الازرق، على ابن دؤواد، .. وجمع كبير عدّهم،"
(1) ما بين القوسين إضافة من الكاتب للتبيين.
(2) والتأويل هنا قد يعني"التفسير"كما هو دارج، أو المعنى الأصولي المتأخر، بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة، وهي هنا ثبوت إسلام المرء أصلًا.
(3) التحرير والتنوير ج 5 ص 130، طبعة مؤسسة التاريخ.