عن عصابة من قُواد الأندلس وفرسانهم، لجئوا إلى صاحب قشتالة، بلاد النصارى، بعد كائنة اللّسانة [1] ، واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبل جواره، وسكنوا أرض النصارى فعل فهل يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم ولأهل مدينة أو حصن أن يؤوهم؟ فأجابوا بأن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد) ومن يتولهم منكم فإنه منهم (فمن أعانهم فقد أعان على معصية الله ورسوله، هذا ما داموا مصرين على فعلهم، فإن تابوا ورجعوا عما هم عليهم الشقاق والخلاف، فالواجب على المسلمين قبولهم" [2] ."
وقد اعتبر ابن عاشور أن هذا الذي فعلوه أو أشد صور الولاء بما دون الكفر، قال"فاستدلالهم بهذه الآية في جوابهم يدلّ على أنهم تأولوها على معنى أنه منهم في استحقاق المقت والمذمة، وهذا الذ فعلوه، وأجاب عنه الفقهاء، هو أعظم أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر"السابق اهـ فتبين أن الفقهاء يعتقدون تحريم هذه الصورة وإن لم يعتبروا مناطها كفرًا أكثبر، وسمحوا بقبول توبتهم دون استتابة.
فالشاهد هنا، هو اعتبار فقهاء غرناطة أن هذا الفعل ليس فعل كفر بذاته، فيه نظر، هو أنّ هذه الصورة بظاهرها دالة على الباطن الكفريّ، إلا إن استدلوا بأن ظاهر اللسان والحال منهم يقول إنهم مسلمون لا يزالون، بعقد اللسان والصلاة وغيرها، فهما ظاهران متعارضان. وهذا رأي وإن كان له وجه إلا إننا لا نقول به، وإن استشهدنا به لبيان إمكان الاختلاف في درجات الولاء ومن ثم التحريم.
ومن ثم، فإنه يجب على من يتصدى اليوم للنوازل من فقهاء وعلماء، أن يعتبر الصور المختلفة للولاء، من أعلاها كالمظاهرة والمناصرة، وأدناها وهي المخالطة والمعاشرة والملابسة في التجارة والتعليم وغيرها. وقد بيّنا صورًا للولاء في مقالنا"رفع الشبهات عو موضوع الولاء والبراء" [3] فليرجع القارئ له.
الناقض التاسع: من اعتقد ان بعض الناس لا يجب عليه اتباعه صلى الله عليه وسلم وإنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى عليهما السلام فهو كافر.
وهذه العقيدة تنشأ عادة بين المتصوفة، والرافضة، فهم يرون أن أوليائهم وأمتهم الظاهرين والمسردبين أعلى قدرًا من الأنبياء، وهذا كفر محض بلا شك عند من اعتقده. ولا يسع أحد أن يخرج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداءً ولا بمثقال ذرة واحدة [4] ، فقد قال تعالى"وخاتم النبيين"، كما قال"إن الدين عند الله الإسلام"والدين هنا هو
(1) وهي قلعة بغرناطة، وهو يتحدث هنا عن الحرب بين أبي عبد الله الريشيكو وبين والده، حيث بايع أهل غرناطة أبي عبد الله، ثم اعتقله النصاري خارج قلعة اللّسانة، فوقع معهم عام 890 هـ معاهدة يدفع لهم بها الجزية ويعينهم على قتال عمه الزغل، والسيطرة على أرض المسلمين في الأندلس. راجع ابن الخطيب. وقد تكررت هذه الأحداث في الأندلس قبلها أيام ابن الأحمر 634 هـ حيث صانع كذلك ملك قشتالة وأعانه على المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(2) السابق ص 131
(4) وحديث"لو كان موسى حيا بين ظهرانينا ما حل له إلا أن يتبعنى"في كل رواياته نظر