فهرس الكتاب
إقامة الدولة:
سبق أن قررنا بعض الإشكاليات التي تُطرح على الفكر الجهاديّ، خاصة الحروريّ، بشأن إقامة"دولة". ونعيد القول الذي سبق أن قررناه من قبل بهذا الشأن، في رسالتنا المفتوحة إلى قادة تنظيم البغداديّ، قلنا فيها"التعامل مع مصطلح"الدولة"، وما جرّه ذلك المصطلح من أزمات على ساحة الحركة الإسلامية كلها في الشام."
فقد انطلقت"الدولة"من قناعات وتصورات، قد خُلّط عليها أمرها فيها، فاستصحبت أفكارا وأوضاعا سياسية وتركيبات اجتماعية لا تنطبق على أرض الواقع من ناحية، ولا تسير على نهج الشرع أو رواية التاريخ من جهة أخرى، حتى وإن أقرّ عليها الشيخان أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وهي إنها"دولة".
وقد تساءلت في مقال لي، لا بأس من نقل جزء منه هنا لأهميته، قلت "غموض مفهوم"الدولة"لدى مسؤوليها، وبالتالي لدى أتباعها ومن يتبع الأحداث."
فالدول، من حيث هي دول، لا تزال تنظيمات اجتماعية، تقوم بأدوار معينة، في مجالات الحياة، وهو ما قد تقوم به جبهات أو إمارت، أو ماشئت.
وفي رأينا أن توصيف"الإمارة"أقوى من توصيف"الدولة"، إذ توصيف الدولة أمرٌ لا دلالة عليه في الشرع، بل هو تاريخي وضعي، أمّا الإمارة، فهي مما ثبت شرعًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته وتابعيهم. ومن تمسك بتعبير الدولة إنما وقع في شرك تسمية محدثة، وتعريف وضعيّ، بنكهة إسلامية! وإلا فيجب أن يتحدد معنى"الدولة"المقصودة هنا، وما تشبيهها بدولة المدينة إلا إسقاط لتسميات مؤرخين مُحدثين على وضع الجماعة المسلمة في المدينة وقت النبوة.
ولم يكن معروفا أيامها"دولة"مكة في مقابل"دولة"المدينة. وما هذا التمسك إلا أثر من الآثار الخفية لسايكس بيكو [1] ، التي تعطي تعبير"الدولة"احترامًا وحقوقًا أكثر من الإمارة أو الولاية أو الخلافة"."
الشاهد أنّ تنظيم"الدولة"هنا، قد ألزم نفسه، وعامل غيره، بمفهوم غير واضح ولا مستقر.
فإن عنى بإطلاق لفظ"الدولة"ما يقصد به القانونيون في العصر الحديث، فلابد لها من عاصمة، وحدود مستقرة، لا تتغير كل فترة حسب ما تفقد من أرضٍ، أو تستولي عليها.
وأظن أن"الدولة"لا تقصده، من حيث إنه اتباع لمفهوم سايكس بيكو في تقسيم أرض الله! وقد كانت الدولة الكندية عرضة للإنقسام عام 1996، من قبل الجزء الفرنسي فيها، وكانت تستعد لتغيير كلّ ما هو متعلق بكيانها إن حدث الانشقاق، إذ تغير الحدود يملى تغيرات كثيرة تتبعه، في منطق الدول الحديثة.
وإن لم تكن تقصد هذا المصطلح بمعناه الوضعيّ، فلماذا تحارب دونه، وتوالى وتعادى دونه، بل وتغرس في عقول أتباعها وأنصارها كلّ هذا التحيز والتعصب للمصطلح، حتى إنهم يفاصلون عليه.
(1) - ولنا في مفهوم سايكس بيكو كلام في مقالٍ سابق، نعود اليه بعد إن شاء الله.