فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 721

ثم انعدم الإمام، كما في غياث الأمم، أو انحرف أو خرج عليه خارج، كما في الماوردي وغيره. ومن ثم، ناقشوا شرائط الإمام، والتمكين في ظلّ أرض موجودة ودول قائمة بعناصرها، يمكن أن يُمَكَّن فيها.

وادرس هذا الذي كتبه الجوينيّ في"غياث الأمم"، لتعرف مصداق ما ذهبنا اليه.

قال في معرض حديثه عن التسليم لإمامٍ ولو من غير عقد بيعة".. أن قصر العاقدون وأخروا تقديم إمام، وطالت الفترة وتمادت العسرة وانتشرت اطراف المملكة وظهرت دواعي الخلل .." [1] . ومثل هذا منتشرٌ في أنحاء الكتاب، يبني عليه أحكام نصب الإمام إنْ غاب لكن دون غيبة المُتَمَكَّن فيه، وهو الأرض والناس، وباختصار"الأمة". ومن ثم، فإننا نحسب أنّ كثرة من كتب في هذا الأمر، اعتمادًا على كتب المتقدمين، لم ينتبه لهذا الفرق العظيم بين الحالين، حال وجود المُتَمَكن فيه (الأمة، الأرض .. ) فيه دون المُتَمَكِن (الإمام) ، بينما نحن نتحدث في انعدام وجود الاثنين المُتَمَكن فيه (الأمة، الأرض .. ) فيه والمُتَمَكِن (الإمام) . بينما تتحدث طائفة الحرورية عن إيجاد المُتَمَكِن (الإمام) ، قبل إيجاد المُتَمَكن فيه (الأمة، الأرض .. ) [2] ! وهذا قلبٌ للحقائق وقصور فهم لما تدل عليه كتب السلف، ونقص في الوعي بما عليه الماضي، والحاضر، وما يكون عليه المستقبل.

ولقائل أن يقول: كيف هذا، والأمر اليوم هو على ما تصف، ويصف القدماء، وهاهي أراضي المسلمين منتشرة، وممالكهم متسعة، ودواعي الخلل فيها ظاهرة، أفليس هذا ما يصفه الجوينيّ؟

قلنا، لا والله بل هو فرق دقيق لا يفطن له إلا القليل. ذلك أنّ تلك الممالك محكومة ابتداءً بمن هم متمكنين فيها تمكنًا أصليًا، لعقود بل قرون، ويحكمون فيها بغير ما أنزل الله، وبقوانين العلمانية. فهي ليست ممالك إسلامية البتة، بل لن يخضع منها أحدٌ لو دعي إلى إمامٍ على ما وصف الجوينيّ. بل إن ما قصد إليه القدماء هو وجود ممالك تقبل بحكم الله أصلًا، وإن مزقتها الخلافات واختلت فيها وسائل الحكم، لكنها لا تزال أرض إسلامٍ، وممالك مسلمة، مُمَكَّن فيها للإسلام، دون إمام. فتنصيب الإمام هو، حين ذاك، واجب الوقت، سواءً ببيعة أو بشوكة أو بغير ذلك لتحقيق المراد من حكم الله للعباد. لكن، هل هذا ما نحن عليه اليوم؟ إن تجاوزنا عن أنّ الأصل في الناس اليوم الإسلام، وهو ما لا تقول به طوائفٌ بدعية، فإن هذا لا يمنع أنّ الممالك لا يد للإسلام فيها، ولا تمكين.

إذن، فإن السعي اليوم لتنصيب إمام، هو لغوٌ لا ينطبق عليه أيّ من حيث القدماء. بل الواجب هو استلهام المنهج الذي نظر به القدماء في هذه المسائل، مسائل الإمامة والبيعة، ثم توجيه النظر بما يليق بما نحن فيه اليوم من حال.

وهذه، فيما نرى، هي الإشكالية الكبرى التي نرى كافة من تحدث في هذا الأمر قد وقع في حبائلها، ولم ينتبه لها، فراح ينقل نصوصًا ويحشد أقوالًا، دون التفكر فيما تقع عليه من مناط. وللأسف، فإن هذه الثقافة، ثقافة النقولات والاستشهادات هي التي باتت تسيطر على كتابات أكثر من نرى على الساحة اليوم من طلاب علم أو رويبضاته، إلا شيوخ الدعوة وعلمائها. فترى المقال أو البيان حشدًا هائلًا من نصوص ونقولات، يخرج به صاحبه، أو يخرّجه بما لا يدل عليه أصلًا ولا فرعًا، والله المستعان.

(1) - راجع"غياث الأمم في التياث الظلم"للجويني ص 221، طبعة دار الدعوة

(2) - وهو ما سبق أن أشرنا اليه إشارة سريعة من قبل في إحدى مقالاتنا حيث ذكرنا أن هذا من قبيل وضع العربة أمام الفرس، لا خلفه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت