فهرس الكتاب
ولعل ما ذكرنا هنا، هو ما أشارت إليه كتابات عدد من علماء الأمة ومشايخ الجهاد، من ضرورة النظر إلى"الأمة"واعتبارها. وهو ما سنكشف عن الاتصال بينه وبين ما عرضنا في الحلقة الثالثة من هذا الكتاب"الأطروحات".
وهذا التمكين، يحتاج، كما ذكرنا، إلى أرضٍ مُمَكَّن فيها، لا ينازع فيها غير المُمَكَن، وأن تكون هذه الأرض ذات حدود معروفة ثابتة، ليدفع عنها الصائل وتحمى بيضتها وأموالها، كما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه سلم، والخلفاء كلهم من بعده. ولا يستلزم ذلك أن لا يُنتقص منها في حينٍ من الأحيان، لكن يبقى مركزها محفوظًا محميًا بريًا و بحريا والأفضل جويًا كذلك، لتبقى لها صورة"الدولة"أو"الإمارة"قائمة على الأرض، لا على الورق وفي البيانات.
والتمكين، ليس فيه حدّ معروف جامع مانع، بل هو أقرب بالتعريف التطبيقي من التعريف المنطقي أو اللفظي أو التعريف بالماهية. كما نقول"ما التفاحة"، فيشار اليها"بهذه". إذ تختلف صوره وحدوده من وضع إلى آخر، فيقال"من المُمَكَّن"فيقال فلانًا. ولهذا علامات وأمارات يجب أن يتحقق أقلها ليمكن أن يطلق اللفظ، كما أنه لا يقال عن بذرة التفاح أنها تفاحة. وهذه العلامات والأمارات، هي ما أشار إليه العلماء في كتبهم من أنه يحصل التمكين لصاحب القوة والمنعة والشوكة، القادر على حفظ الأمة وحماية الديار والذب عن البيضة ودفع الصائل وقطاع الطرق وزجر اللصوص ومعاقبتهم، وإقامة الحدود الشرعية، وإرهاب العدو، وتحصين الحدود.
ومن هنا فإنه لا يقال لمن استولى على أرضٍ ما، وسط مملكة لا يزال ينازع العدو المغتصب في كلّ شبرٍ فيها، عسكريًا، أنها مُمَكّن فيها، إلا بالاستعمال اللفظيّ للكلمة، لا الاصطلاحيّ، والأقرب أنها أرضٌ"محررة"، لا مُمَكَّن فيها. ومن هنا جاء قول من قال بجواز عدم إقامة بعض الحدود في تلك المناطق، لعدم التمكين بأقل حدوده مما ذكرنا، بما يصلح أن يقال أن المسلمون"مُمَكَّنون"فيها.
ويجب هنا أن نعيد التذكير بأننا آثرنا استخدام مصطلح"التمكين"ومشتقاته، في بحثنا هذا، لعدة أسبابٍ:
أولها: فكّ الارتباط التلازميّ بين ما نحن فيه اليوم، وبين ما صدرت بشأنه أقوال العلماء القدامى في كتب السياسة الشرعية، لعدم تحقق مناط تلك الأقوال على كثير من المستويات، إلا تشابهًا، فيكون الاستفادة منها على مستوى الأحكام العامة، لا الفتاوى الخاصة.
والسبب الثاني: هو البعد عن التوصيفات العامة الكلية، التي يبهر بريقها عقول الخاصة بله العامة، كالأمير والإمام والبيعة. وهي أوصاف شرعية صحيحة يجب استخدامها، لكنّ الموقف اليوم يحتاج إلى تفكيكها، واستعمال مدلولاتها، لا أعيانها، ما أمكن، حيث غابت المدلولات وبرزت الأعيان، تحمل مدلولات أخرى مضللة، للخاصة بله العامة كذلك.
ثم سبب ثالث: وهو ربط إقامة الدولة بركنها الذي هو في رأينا"التمكين"، فمن البديهيّ إذا أن نستخدم مشتقاته لنصف مقومات الدولة وعناصر إقامتها.
ذكرنا من قبل أنّ ركن إقامة"الدولة"هو التمكين، وأن"التمكين ينقسم، حسب ترتيب أولوياته، إلى:"
-مُمَكَّن فيه: وهو الأراضي والممالك التي يعيش فيها مسلمون قابلون للإسلام، أي مُمَكّن فيها للإسلام.
-مُمَكِّنُون: وهم أهل الحل والعقد، أو الطائفة التي يرضى بحكمها واختيارها المسلمون الذين يعيشون على تلك الأراضي والممالك القابلة للإسلام.