محض هراء بناء على ما قرره بنفسه حيث قال في مبدأ حديثه"ولا بد أن تكون هذه الجماعة تؤمن أو تعتقد بالحد الأدنى المتفق عليه بين الخوارج، ولا يستقيم عقلًا أن تكون فرقة"خارجية"إلا أن تعتقد بهذا الحد الأدنى"، ثم لم يأت بهذا الحدّ الأدنى، بل راح يتحدث بعمومية مموّهة عن"أنها وافقت الخوارج في بعض الأمور". وهذا إن أقصينا عدم الأمانة في البحث، هو دليل ضعف في تتبع النتائج لمقدماتها.
ثم يقول"النصوص التي جاءت في الخوارج تصدّق بعضها بعض، وتشرح بعضها بعض، وتعضد بعضها بعض، ولقد رأينا ليًّا لأعناق النصوص في محاولة مستميتة لإنزالها على"الدولة الإسلامية"اليوم ما كنا نراه في شأن"قاعدة الجهاد"قبل سنوات، فهي نفس المحاولات اليائسة البائسة من أناس جهلوا خطورة عملهم، ولم يراعوا حرمة حديث نبيّهم صلى الله عليه سلم، ولو نقلنا مقالاتنا التي كانت للدفاع عن قاعدة الجهاد كما هي بطريقة القص واللصق لم نحتج إلا إلى تغيير الأسماء لإنزال هذه المقالات على الدولة الإسلامية اليوم لنفي هذه التهم"، وهذا، مرة أخرى تبسيط مخلّ للأمور، فقد يتشابه موقف الحكومات من كافة الجماعات المناوئة لها، حتى الإخوان، رافعي شعار السلمية، يمكن أن يحتجوا بهذا الذي وصف، فهو ليس بدليل خاص يلجأ اليه لنفي صفة الحرورية عن أتباع بن عوّاد. ثم إن قاعدة الجهاد، وطبعا ولا الإخوان، كانوا يقتلون المسلمين كما حدث في دير الزور والشعيطات وحلب، ولم يغتالوا من أمثال أبي خالد السوري وأبي محمد وأبي سعد الحضرمي، ومئات غيرهم، فما وجه المقارنة بقاعدة الجهاد؟
ثم قوله"إن من أظهر صفات الخوارج التي جاءت في الأحاديث النبوية:"التحليق"، و"حداثة الأسنان وسفاهة الأحلام"، و"قتل أهل الإسلام وترك قتال أهل الأوثان"، و"يحسنون القيل ويسيئون الفعل"، و"يقرأون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم"، و"أشداء أحدّاء"، و"يحقر الصحابي صلاته إلى صلاتهم".. فإذا اجتمعت هذه الصفات - وغيرها من صفات الخوارج وأصولهم - في جماعة بعينها لزم من ذلك كونهم:"شر قتلى تحت أديم السماء"، و"خير قتلى من قَتلوهم"، وكونهم من"أبغض خلق الله إليه"، و"في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة"، فهل يستطيع من عنده ذرّة تقوى وخوف من الله أن يحكم على جماعة بعينها بالخارجية فيكون لازم قوله ما جاء في الأحاديث النبوية"ما هذا الذي يقول؟ والله ما ندري أي دليل فيما ساق يخرج بهذه النتيجة؟ ولو كان من التقوى عدم وصف أهل البدع بأوصافهم لحكمنا على كلّ من صنّف في الفرق بالفسق والعدوان، بما فيهم بن تيمية، فإن الصفات الي ذكرها أهل السنة في مرتكبي البدعة عامة، أشد من ذلك، فقد وصفوهم بأنهم "أشد فسقًا من قاتل النفس"، و"أنهم كلما ازدادوا في تقربهم إلى الله بالبدعة ازدادوا بعدا عنه"، وأنهم"لا ترجى لهم توبة"، وأنهم"معاندون للشرع مشاقّون له"، وأنهم"لا تُقبل صلاتهم ولا صومهم ولا عبادتهم ولا صدقتهم"، ولو شئنا لملأنا صحائف فيما قال الأئمة عن أهل البدع عامة، صوفية وخوارج ومعتزلة وجهمية ومرجئة [1] . فهل يعنى هذا أن نقول إن هؤلاء الأئمة ليس لديهم"ذرّة تقوى وخوف من الله أن يحكم على جماعة بعينها بالخارجية"، لأن لازم قولهم أن تكون هذه الجماعة فيها هذه الصفات؟ أم يقول هذا الباحث أن نكتفي بذكر الصفات دون الحديث عن تعيين جماعة، فيكون قد ارتدّ عن قولهم في الحكم على المعين، الذي قد يكون فردًا أو جماعة؟
ثم قوله"الحقيقة أن أكثر هذه الصفات - وأشد منها - نجدها واضحة جليّة في الجيوش العربية: فهم حليقو الرؤوس، وحدثاء أسنان بلا أحلام، يقتلون أهل الإيمان ويتركون أهل الأوثان، وأشداء أحداء مع المسلمين، يحسنون القيل ويسيئون الفعل، والخوارج أفضل منهم في كونهم أهل صدق وعبادة وإخلاص، أما هذه الجيوش فالغالب عليهم الغدر والخيانة والفجور، أليس هذا ما رأيناه في ليبيا ومصر وسوريا والعراق وغيرها من البلاد، فهل هذه الجيوش خارجية!! هل رأينا جيشًا عربيًا يقاتل"
(1) ارجع إلى الاعتصام للشاطبي ج 1