وبناء على هذا الواقع، فإنه تتكشف لنا عدة مُدركات تتعلق بالتعامل معه، منها:
1.صعوبة التصرف الانفرادي، في هذا الواقع، من حيث إن القرار عادة ليس بيد صانعيه، بل بيد مُمَوّلي صانعيه، سواء جاء التمويل مباشرًا أو غير مباشر.
2.سيطرة الفرضية التي تقول بأنه لا يمكن التحرك في الواقع العالميّ القائم إلا من خلال تحالفات مع بعض الأنظمة الموالية للغرب، حتى يكون هناك منفذٌ على الأقل، وطريقٌ لتحقيق"شئ ما"لصالح"الأمة".
3.عدم الاستقرار على تفسير لمصطلح"التحالفات"، وعلاقتها بمفهوم"الولاء والبراء"، ومدى صحتها ودرجاتها، بما يناسب مصلحة الأمة، ولا يصادم شرعًا محكمًا.
وهو ما يقودنا إلى النظر على أرض الواقع ومحاولة استشفاف ما عليه أطراف المعادلة القائمة اليوم، إن صحّ تعبير"المعادلة"، الذي يحمل معنى التكافؤ.
ومع علمنا المسبق وإيماننا بأن الأمر كله بيد الله سبحانه، فإن غالب أوراق اللعبة السياسية اليوم على الأرض في يد الولايات المتحدة، شئنا أم أبينا. لكن ليست كل أوراق اللعبة بيدها، وفرق كبير جدًا ما بين التصورين. وهو ما يجعلنا نحاول كشف الأوراق التي يمكن أن تكون بيد الأمة وممثليها من جماعات، والتي يمكن أن تستخدمها في هذا الصراع، وإنْ قلّت.
فمن الأوراق التي بيد الولايات المتحدة، تحكّمها في مصادر التمويل بالشرق العربي والمسلم، ومنها سيطرتها الكاملة على الأجهزة السياسية والعسكرية في تلك البلاد عن طريق الحكومات العميلة التي ذكرنا. ومنها التفوق التكنولوجي الهائل الذي قد لا يعرف الكثير في الشرق عن مداه وبعد أثره، لضحالة ما يرى ويسمع، وإن عرفه من أقام في بلادهم ردحًا. وهو ما نرى أثره في الطائرات بدون طيار على سبيل المثال، ورصد التحركات لحظة بلحظة على الأرض بالأقمار الصناعية، وغير ذلك من وسائل تصنت وتجسس.
أمّا الأوراق التي بيد ممثلي الأمة اليوم، فمنها أن الصراع دائر على أرض المسلمين، أو أرض التاريخ الإسلاميّ كما نحب أن نسميها. وحقيقة أن العدو يتحرك من أرضه إلى أرض المسلمين، يضع عليه عبئًا كبيرًا ماديًا ومعنويًا. ومنها الموروث الإسلامي العميق الذي لا يزال مكنونًا داخل النفسية المسلمة، ومتمثلًا في الشخصية المسلمة التي لا تزال تنفر من الصهيو-صليبية الظاهرة، إلا ما قلّ، بطبيعتها، أو إن غيرت الصهيو-صليبية من ملامحها، وهو ما تلجأ اليه بواسطة الإعلام الموجّه الخبيث.
والتوازن بين تلك الأوراق صعب إلى حدّ كبير. وهو في موقع الاختبار اليوم في الأراضي السورية والعراقية، والليبية واليمنية على الترتيب. أمّا ما عدا ذلك من أراض التاريخ الإسلامي كمصر والخليج وتونس والجزائر والمغرب، فالأمر محسوم لصالح الغرب الصهيو-صليبي والحكومات العميلة له بشكل شبه تام، إلى الآن، على الأقل.
لكن كيف يعين هذا التصور على"المرونة"في صنع"الفتوى"وتبنيها؟