لا شك أنّ من مصلحة"الأمة"أن يكون لها دولة مركزية تحمى مواطنيها، على أرضها، وتدافع عن حقوقهم خارجها، وتصد عنهم الصائل، وترفع من مستوى معيشتهم، بتوجيه مصادرهم المالية لصالحهم، لا لصالح طبقة المستغلين منهم، سواءً حكامًا أو ملوكًا.
والطرق التي تؤدى إلى تلك الدولة، تتغير بحسب فهم الناظر، كما بيّنا، وينعكس ذلك في تصورات ممثلي الأمة، سواء الممثلين الشرعيين لها (السنيين) أو غير الشرعيين (حرورية عوادية أو مرجئة إخوان) ، وهو ما وضحنا في دراسة مُطوّلة من قبل عن"قيام دولة الإسلام .. بين الواقع والأوهام" [1] .
وننصح القارئ، من هنا فصاعدًا، أن يكون ممن يتبنى تقييمنا لواقع الخريطة الإسلامية، من حيث انقسام ممثلي الأمة إلى ما قدّمنا، وإلى قيام الوسط السني، بأطيافه، بين طرفيّ الحرورية العوادية، والإرجائية الإخوانية، حتى يستفيد مما نقول، وإلا فلا فائدة من متابعته لهذه الدراسة ابتداء.
ومفتاح ذلك التوازن في"المرونة"، هو حدّ الشرع فيها، لا ما يتصور الناظر إنه سيؤدى إلى قيام دولة مركزية، حتى يُستوفى شرط الافتقار للدليل أولًا، ومن جانب أنّ المصلحة مطابقة للدليل ابتداءً، على كلّ حال.
ويجب أن يكون في اعتبار الناظر أنّ السياسة عامة هي عملية شدّ وإرخاء بين طرفين، نتيجتها تزحزح طرف تجاه الطرفٍ الآخر، حسب قوة جذب كل منهما. لكنّ الفرق أنه في السياسة الشرعية، هناك خطّ أحمر يجب أن يفلت فيه الطرف المسلم الحبل كليّة، إن تجاوزه موضع قدميه، وهو الشرع الحنيف، وما دّلت عليه الأدلة افتقارًا.
والإخوان، وهم علامة الإرجاء في هذا العصر، من حيث رأوا أن الحكم بغير ما أنزل الله تشريعًا، وإخضاع المسلمين له، معصية، ليست بكفر، وبنوا جلّ سياساتهم ومواقفهم العملية من ذلك المنطلق، فرضوا بالمذهب الديموقراطيّ على أنه شورى، وأحلوا الدخول في المجالس النيابية التشريعية، مصلحة، رغم معارضة النص الشرعيّ. وهي أمثلة من أوضح ما يكون على أخذ الدليل مأخذ الاستظهار. ثم كان التعامل مع حكومات الطواغيت في الشرق، ومع النظم الغربية، بناءً على هذا التصور المختل أساسًا، فأطلقوه من كلّ قيد، وسمحوا بأن يجذبهم طرف الحبل إلى أرض الحرام شرعًا.
وكان من جرّاء تصوراتهم أن يذهبوا إلى القول بأن أوراق اللعبة في يد الغرب بكاملها، اللهم إلا ما كان من موقف شخصيّ، كما ظهر من د محمد مرسي، فكّ الله اسره، في تعامله مع الولايات المتحدة، ولم يتبناه أحدٌ من الإخوان في يومٍ من الأيام.
فالمرونة في موقف الإخوان مثالٌ على تجاوز الحدّ الشرعيّ المرسوم، وهي ما لن يؤدى إلى قيام دولة الإسلام"الآن"، وحتى لو ظن عقل الناظر إن"عدم المرونة"تلك، سبب في ضياع مصلحة"التوسط الإسلامي". وأنه لابد من أن نواري ونصانع، ونمشي بين القوم بوجهين، كما يفعل جلّ قيادات الإخوان ومن قاربهم في فكرهم.