فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 721

ووجهة نظر النصرة، كما أحسبها، تتلخص في إنه لم يأت جديد في تصرفات القاعدة وأمرائها لتبرير نقض البيعة، فهو عمل حرام أصلًا. ثم إن وجهة النظر المصلحية التي اتخذها الغير، ليست حقيقية، بل هي مصلحة متوهمة، ومن شروط اعتبار المصلحة المرسلة التي تناقض نصًا، في مناطٍ معين كاستثناء من قاعدة، أن تكون حقيقية لا متوهمة، وآنية لا آجلة. كما أنّ في الإبقاء على الارتباط قوة للنصرة، لولاها ما استمرت حين دخل البعثيون العوادية إلى الشام، وضعفت النصرة إلى حدٍ كبير. فالأخ الأكبر دائما له ثقلٌ معنويّ، خاصة أنّ العدو سيضرب على أيّ حال من الأحوال.

وقد رأينا فيما تقدم كيف أنّ السياسة الأمريكية لها هدف واحد، هو وجود نظام علماني بالدرجة الأولى يحكم المنطقة بعد إعادة تقسيمها، دون إصرار على موضوع الديموقراطية، كما فعلت مع السيسي، سواء كان حكم بشار أو غيره. فهي براجماتية بالدرجة الأولى.

ويخطأ من يحسب أن أمريكا ترسم الطريق للأحداث لتقع على هواها، لا، هذا تأليه لتلك الدولة المتوحشة على البشر. إنما هي ترصد عن قرب كل التطورات، وتعجل بتغيير سياساتها، بعض الأحيان يوميًا حسب ما يقع على الأرض، كما رأينا في حالة تدريب المعارضة من تخبط وتبديل أسبوعيّ!

فتلك السياسة الأمريكية تحكم النتائج، ولا تصنع الأسباب، إلا في نطاق محدود، وإلا كانت إله يُعبد، حاشا لله. وهي تسيطر على السياسة الخليجية والسعودية سيطرة شبه تامة، فلا يخرج منهم إلا بعض"حشرجات انزعاج"حين تكون الضربة موجعة، مثلما حدث في قرارها لجعل بشار جزء من الحلّ في مبادرة دستيمورا. لكن لا خروج جِديّ عن النص.

ومن ثمّ، فالولايات المتحدة لا تمانع في إبقاء السعودية في رعب دائم، تستنزف قواها ومالها، كما نرى في خفض أسعار النفط، حيث المستفيد الوحيد هو أمريكا والغرب.

أحرار الشام: وهذه الجماعة تأتي من بعد النصرة، قربًا إلى السنة، من حيث إنهم لم يقبلوا بتنازلات وإن أقدموا على المفاوضات، تحسينا بالظن فيمن يتصل بهم من الأتراك والخليجيين، ويهيأ لهم أن الاتباط بالقاعدة أمر مدمّر للساحة، وأن نقضه من قبل النصرة شرطٌ لتلقى الدعم المادي والحل السياسي الذي يكون الأحرار عموده، مع عدم الوقوف في وجه تطبيق الشريعة، بدرجة ما، استصلاحا للناس.

وفي ضوء ما قدمنا مسبقًا، فإن هؤلاء لم يعوا أن أولئك الأفراد الذين يأتونهم للتفاوض، ما هم إلا أعضاء في فريق"إدارة الأزمات"في وزارات خارجية الدول الغربية، ومنها تركيا. وهذا الفريق فيه أفراد مهمتهم الاتصال بالفرقاء المختلفة، وتصوير الأمور على أنه هناك تطور لقبول الآخر، لكن بشرط كذا وكذا .. وأنّ هذا في الصالح العام. ولا يعلمون أن هذه التفاوضات لا تتجاوز حقائب يد حامليها إلى أي صانع قرار بالمرة. هذا هو ما يجعل أمر التحالفات والمفاوضات والدعم أمر مضحك مبكى في آن واحد. فقد ظنت"قيادات الأحرار أنهم أذكى من غيرهم، وأوعى بالسياسة الخارجية، وهم لا شك أذكياء فضلاء، فقرروا خوض هذا المعترك، دون خبرة حقيقية ووعي كامل وتحليل دقيق."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت