وألح القواد السويديون على شارل في أن يزحف على موسكو ويجهز على بطرس. ولكن جيش شارل كان صغيرًا، والشتاء حل، وكل شجاعة، حتى شجاعة هذا النابليون الشاب، لا بد أن تتردد أمام مسافات روسيا المترامية فضلًا عن مشكلة إطعام الجيش في أرض معادية. ثم (ما دامت العهود والمواثيق حبرًا على ورق) هل يستطيع أن يركن إلى ملك الدنمرك، أو ملك بولندة، في ألا يغزو أحدهما السويد وجيشها الرئيسي وقائدها نائيان عن أرض الوطن؟ وبعد أن أعاد شارل تنظيم حكومة ليفونيا ودفاعها، سار جنوبًا إلى بولندة، واحتل وارسو دون عناء (1720) على نحو ما فعل جده قبل سبعة وأربعين عامًا، وخلع أوغسطس، ونصب ستانيسلاس لزكزنسكي ملكًا على بولندة (1704) . لقد هزم الآن كل حليف من الحلفاء، ولكن الدب الروسي لم يكد يبدأ النزال.
ذلك أن بطرس لم يفق من رعبه فحسب، بل نظم جيشًا آخر وجهزه. ولكي يزوده بالمدافع أمر بأن تصهر أجراس الكنائس والأديار، وصنع ثلاثمائة مدفع، وأنشئت مدرسة لتدريب رجال المدفعية. وسرعان ما أخذت القوات المجندة الجديدة في إحراز الانتصارات، وتقدمت كتيبة مدفعية بطرس غيرها في الاستيلاء على نينسكانس، عند مصب نيفا (1703) ، وهناك شرع القيصر لتوه في بناء"بطرسبرج"دون أن يدرك إلى ذلك الحين أنها ستكون عاصمة ملكه، ولكنه صمم على أن تكون أحد منافذه إلى البحر. وبينما كان شارل مشغولًا في بولندة، ظهر بطرس ثانية أمام نارفا، وكان شارل قد ترك فيها حامية ضئيلة، واقتحم الروس القلعة الكبيرة (20 أغسطس 1704) ، وثأر المنتصرون لأنفسهم من فشلهم السابق بمذبحة رهيبة، وضع لها بطرس حدًا في النهاية بأن قتل بيديه اثني عشر من الروس المتعطشين للدماء.
وفي بولندة بدا أن انتصار شارل كامل. فقد وقع أوغسطس المخلوع معاهدة اعترف فيها بلزكزنسكي رلكًا، وتخلى عن أحلافه ضد السويد، وأسلم لشارل الرجل الذي نظم الحلف أولًا، فحطم جسد يوهان فون باتكول على دولاب التعذيب ثم قطع رأسه (1707) . ووجد بطرس نفسه وحيدًا أمام هذا الإرهاب السويدي الشاب. فحاول