فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 15334

وكان والد كونج في السبعين من عمره حين ولد له ولده (66) ، ومات حين بلغ ابنه سن الثالثة. وكان كنفوشيوس يعمل بعد الفراغ من المدرسة ليساعد على إعالة والدته، ولعله قد تعود في طفولته تلك الرزانة التي هي من خصائص كبار السن، والتي لازمته في كل خطوة خطاها طوال حياته. لكنه مع هذا وجد متسعًا من الوقت يحذق فيه الرماية والموسيقى؛ وبلغ من شدة ولعه بالموسيقى أنه كان يستمع مرة إلى لحن مطرب، فتأثر به تأثرًا حمله على أن يمتنع عن أكل اللحوم، وظل بعدئذ ثلاثة أشهر لا يذوق فيها اللحم أبدًا (67) . ولم يكن يتفق اتفاقًا تامًا مع نيتشه في أن ثمة شيئًا من التناقض بين الفلسفة والزواج، ذلك أنه تزوج في التاسعة عشرة من عمره، ولكنه طلق زوجته وهو في الثالثة والعشرين، ويلوح أنه لم يتزوج بعدها أبدًا.

ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره بدأ يشتغل بالتعليم، واتخذ داره مدرسة له، وكان يتقاضى من تلاميذه ما يستطيعون أداءه من الرسوم مهما كانت قليلة. وكانت الموارد التي يشملها برنامجه ثلاثًا: التاريخ والشعر وآداب اللياقة. ومن أقواله:"إن أخلاق الرجل تكونها القصائد وتنميها المراسم" (أي آداب الحفلات والمجاملات) "وتعطرها الموسيقي" (68) .

وكان تعليمه كتعليم سقراط شفهيًا لا يلجأ فيه إلى الكتابة، ولهذا فإن أكثر ما نعرفه من أخباره قد وصل إلينا عن طريق أتباعه ومريديه، وذلك مصدر لا يوثق به. وقد ترك إلى الفلاسفة مثلًا قل أن يعبئوا به- وهو ألا يهاجموا قط غيرهم من المفكرين، وألا يضيعوا وقتهم في دحض حججهم. ولم يكن يعلم طريقة من طرائق المنطق الدقيق، ولكنه كان يشحذ عقول تلاميذه بأن يعرض بأخطائهم في رفق ويطلب إليهم شدة اليقظة العقلية. ومن أقواله في هذا المعنى:"إذا لم يكن من عادة الشخص أن يقول: ماذا أرى في هذا؟ فإني لا أستطيع أن أفعل له شيئًا" (69) . وإني لا أفتح باب الحق لمن لا يحرص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت