يتمسك إلى النهاية بالإيمان بالله. إن الجدل الذي هاج مشاعر الطبقات المفكرة في نصف القرن الذي سبق الثورة الفرنسية لم يكن مجرد صراع بين الدين والفلسفة، بل كان بالدرجة الأولى بين الفلاسفة والمذهب الكاثوليكي المسيحي كما وجد في فرنسا آنذاك، إنه الغيظ المكظوم في قلوب الفرنسيين لقرون طويلة من جراء ما لطخت به الديانة سجلها من الوقوف في وجه التقدم والمعرفة والاضطهادات والمذابح. وبلغ رد الفعل أقصى مداه، ولكن كذلك كان الاسفاف في مذبحة سانت برثلميو (1572) ومقتل هنري الرابع (1610) واضطهاد الهيجونوت بعد ألغاء مرسوم نانت (1685) .
ولم يكن ثمة مثل هذا العدد الكبير من الفلاسفة قط من قبل، وألمع هلفشيوس إلى"تذوق عصرنا للفلسفة وحبه لها" (2) وكتب دالمبير:
أطلق قرننا على نفسه قرن الفلسفة بغير منازع. فمن أصول العلوم الدنيوية الدنسة إلى أسس الوحي، ومن الميتافزيقا إلى مسائل الذوق، ومن الموسيقى إلى الأخلاق، ومن حقوق الأمراء والملوك إلى حقوق الشعوب. كل شئ كان موضع دراسة وتحليل ومثار نقاش وخلاف. وليس فينا من ينكر أن الفلسفة أحرزت بيننا تقدمًا. إن العلوم الطبيعية تقدم لنا في كل يوم ذخرًا جديدًا ... وأتخذت كل ميادين المعرفة تقريبًا أشكالًا جديدة (3) .
وكان الفلاسفة الفرنسيون نتاجًا جديدًا. فكانوا قبل كل شي واضحين ولم يكونوا جماعة منعزلة عن العالم تكسوهم المهابة والقداسة، يتحدثون إلى أنفسهم أو إلى نظراتهم أحاديث غامضة لا يفهمها إلا فئة معينة من الناس. وكانوا أدباء عرفوا كيف تتألق الأفكار والآراء في الألفاظ. وولوا ظهورهم نحو الميتافيزيقا باعتبارها ضالة ميئوسًا منها، ونحو طرائق الفلسفة باعتبارها غرورًا كاذبًا عريضًا. ولم يكتبوا أبحاثًا مطولة معقدة جهدوا فيها في استنباط العالم من فكرة واحدة، ولكنهم كتبوا نسبيًا موضوعات قصيرة، ومحاورات مسلية وقصصًا متبلة ببعض الفحش، وهجاء قتالًا من فرط السخرية، أو حكمة معبرة بطريقة بارعة توهم بالتناقض في سطر يحطم تحطيمًا. وساق هؤلاء الفلاسفة حديثهم متناغمًا مع رجال الصالونات وسيداتها، وفي كثير من الأحوال وجهوا كتبهم ومؤلفاتهم إلى شهيرات النساء، وكان لزامًا أن