رقته الأنوثية تقريبًا لم تسوءها. واستطاعت وهي عاجزة عن رؤيته أن تشكل صورتها عنه كما يشتهيها قلبها ثم أحبت تلك الصورة. أما هو فلم يستطع قط وهو المبصر أن ينسى شيخوختها وعجزها البدني. وحين عاد إلى إنجلترا راحت تدبج له رسائل فيها من حرارة الحب ما يقرب مما في رسائل جولي دلسبيناس إلى جيبير، مكتوبة بأروع ما أبداه ذلك العصر من نثر. وقد حاولت ردوده على رسائلهاأن تكبح فرحتها، وكان يقشعر فرقًا إذا خطر له ما قد يفعله كتاب إنجلترا الهجاءون (مثل سلوين) بمثل هذه الأكلة المثيرة لشهية الهجاء. واحتملت لومه، وأكدت حبها من جديد، ووافقت على أن تسميه صداقة، ولكنها أكدت له ان الصداقة في فرنسا كثيرًا ما تكون أعمق وأقوى من الحب."أنني ملكك أكثر مني ملك نفسي ... وددت لو استطعت أن أبعث إليك بروحي بدلًا من رسالة. وأني لأبذل السنين من عمري عن طيب خاطر لأضمن وجودي على قيد الحياة حين تعود إلى باريس"وقد شبهته بمونتيني"وهذا أسمى مديح في وسعي أن أخصك به، لأني لا أجد فكرًا يعدل فكره إنصافًا ونصوعًا" (45) .
ثم عاد إلى باريس في أغسطس 1767. وانتظرته في انفعال العذارى"أخيرًا، أخيرًا، لم يعد يفرقنا بحر. لا أستطيع أن أحمل نفسي على أن أصدق أن رجلًا له شأنك في الحياة، ويداه على عجلة حكومة عظمى، وإذن على عجلة أوربا، وفي وسعه .. أن يترك كل شيء ليحضر ويرى عرافة عجوزًا في ركن دير. أنه حقًا لأمر بالغ السخف، ولكنني مسحورة ... فتعال يا معلمي! ليس هذا حلمًا-فأنا أعلم ـإنني صاحية-سأراك اليوم!"وأرسلت مركبتها ليستقلها، فوافاها على الفور. وظل ستة أسابيع يطربها بحضوره ويحزنها بتحذيراته. فلما عاد إلى إنجلترا لم تستطع أن تفكر إلا في رجوعه إلى باريس،"ستجعل غروبي أجمل وأسعد كثيرًا من ظهيرتي أو فجري. أن تلميذتك، المطيعة طاعة طفل، لا أمنية لها إلا أن تراك" (46) .
وفي 30 مارس 1773 طلب إليها أن تكف عن الكتابة (47) . ثم لانت قناته واستؤنفت الرسائل بينهما. وفي فبراير 1775 طلب إليها أن ترد إليه جميع رسائله، فامتثلت، مع إلماعة رقيقة إلى رغبتها في أن يرد إليها رسائلها