لكن هذا النصر لم يكن واضحا· حقيقة لقد فقدت الكنيسة ثرواتها وسلطانها السياسي لكن جذورها الحية ظلت متمثلة في الولاء للإكليروس وفي حاجات الناس وآما لهم، فكثيرون من الرجال في المدن الكبيرة ممن كانوا قد شردوا بعيدا عن معتقداتهم أصبحوا جميعا تقريبا من رواد الكنائس في عيدي الكريسماس والفصح، وفي ذروة أحداث الثورة (مايو 1793) كان أهل باريس (على وفق رؤية شاهد عيان) رجالا ونساء وأطفالا يخرون على ركبهم توقيرًا واحتراما عندما يمر القس حاملا خبز القربان المقدس في شوارع باريس بل وحتى المتشككون لا بد أنهم شعروا بالتأثير"المغناطيسي"للشعائر الدينية، وما توحيه من جمال لا يذوي، ولابد أنهم تأملوا ما كتبه بسكال Pascal في"الرهان Wager"من أنه من الحكمة أن يكون المرء مؤمنًا، ففي خاتمة المطاف لن يفقد المؤمن شيئا، بينما يفقد غير المؤمن كل شيء إن ثبت خطؤه (أو بتعبير آخر: المصدق لن يفقد شيئا والمكذب سيفقد كل شيء إن ثبت خطؤه) ·
وفي ظل حكومة الإدارة انقسمت الأمة الفرنسية إلى قسمين: شعب عاد ببطء إلى العقيدة التقليدية، وحكومة عمدت إلى تأسيس مجتمع علماني خالص اعتمادا على القانون والتعليم، ففي 8 أكتوبر 1798 أرسلت حكومة الإدارة الجديدة (بعد طرد الأعضاء غير المرغوب فيهم منها) لكل المعلمين في مدارس الدوائر (المحافظات) التعليمات التالية:
"يجب أن تحذفوا من مقرراتكم الدراسية كل ما يتعلق بعقائد أي دين وشعائره (أو طقوسه) من أي مذهب كان· إن الدستور يكفل حرية العبادة، لكن تدريسها ليس جزءًا من المقررات الدراسية العامة (الحكومية) ولا يمكن أن تكون أبدا مجالًا للتدريس· لقد قام الدستور على قاعدة الأخلاق العامة (غير المرتبطة بدين) وهي أخلاق (مبادئ أخلاقية) صالحة لكل زمان وكل مكان وكل الأديان فهذا القانون (الأخلاقي) محفور في ألواح الأسرة البشرية - إنها - أي هذه الأخلاق الصالحة لكل زمان ومكان ودين - هي ما يجب أن تكون روح دروسكم وهدف وصاياكم والرابط بين مجالات الموضوعات التي تدرسونها كما أنها الرباط الذي يربط بين أفراد المجتمع"·