وعلى النحو نفسه فإن تحرير الفلاح وصعود البورجوازية للسلطة السياسية والهيمنة الاقتصادية، كان من الممكن أن يحدث بغير الثورة، وإن كان حدوثه في هذه الحال سيكون بشكل أبطأ· وكانت الثورة في ظل الجمعية الوطنية (1789 - 1791) معقولة ولها ما يبرر تصرفاتها فيما وصلت إليه من نتائج دائمة، لكن الثورة في ظل حكومات الفترة من 1792 إلى 1795 كانت تمثل فترة بربرية تمثل فيها القتل والإرهاب والانهيار الخلقي بطريقة لا يمكن تبريرها بشكل كاف بوجود مؤامرات خارجية وهجوم خارجي· وفي سنة 1830 عندما أنهت ثورة أخرى الأمور بتأسيس ملكية دستورية، كانت النتيجة هي تقريبا مثل النتيجة التي تم التوصل إليها في سنة 1791·
وما حققته الثورة من مكسب بتوحيد فرنسا جرت موازنته بتطور"الوطنية nationalism"لتصبح مصدرا جديدا للعداوة بين الجماعات، فالقرن الثامن عشر كان ينحو عند الطبقات المتعلمة إلى التحرر من الأحقاد الوطنية بإضعاف الفروق بين الأوطان في الثقافة واللباس واللغة، لقد كانت الجيوش نفسها في غالبها تنحو نحو العالمية جنودًا وقادة· وقد غيرت الثورة هذا الاتجاه باتخاذها التجنيد الإلزامي نظاما، وأصبح الولاء للأمة بدلا من الولاء للأسرات المالكة هو الأساس وهو دافع الحرب وينبوعه· ونجح التآخي (الرفقة) بين الجنرالات في أن يحل محل ا لتكتل الأرستقراطي بين الضباط، وطغت وطنية الجنود المفعمة حماسا على برود موظفي الحكم القديم وممارستهم أعمالهم بلا روح· وعندما طور الجيش الفرنسي نظامه وازداد كبرياؤه أصبح القوة الوحيدة المنظمة في دولة مشوشة، وأصبح الملجأ الوحيد من بلبلة حكومات لا تتسم بالكفاءة وجماهير متمردة·