فهرس الكتاب

الصفحة 14954 من 15334

لا تزال النتائج الثقافية للثورة الفرنسية تؤثر في حياتنا· لقد أعلنت الثورة حرية الحديث والصحافة والاجتماع، حقيقة لقد جرى تقليص هذه الحريات بشدة، بل وانتهت على يد نابليون تحت ضغط الحرب، لكن المبادئ نفسها ظلت باقية وخاضت معارك متتالية لإثبات وجودها خلال القرن التاسع عشر لتصبح قابلة للتطبيق (أو إدعاء تطبيقها) في ديمقراطيات القرن العشرين· وخططت الثورة لقيام نظام وطني للمدارس ونفذت ذلك بالفعل·

وشجعت العلم ليكون بديلا للاهوت على مستوى العالم كله· وفي سنة 1791 عينت الحكومة الثورية لجنة جعلت على رأسها لاجرانج Lagrange لتضع لفرنسا الجديدة الموحدة نظاما جديدا للموازين والمقاييس فتم اعتماد النظام المتري الذي أوصت به رسميا في سنة 1792، وصدر به قانون في سنة 1799· وكان على هذا النظام المتري أن يناضل ليشق طريقه في المحافظات الفرنسية إذ لم يكن قد حقق النصر الكامل حتى سنة 1840 وقد ألغي في بريطانيا العظمى الآن ليحل محله النظام الاثني عشري duodecimal system ·

وبدأت الثورة بفصل الكنيسة عن الدولة لكن هذا ثبت أنه أمر صعب في دولة كفرنسا تهيمن عليها الكاثوليكية وتعتمد تقليديا على الكنيسة في تهذيب شعبها· ولم يكن هذا الفصل كاملا حتى سنة 1905 وعاد ليضعف مرة أخرى هذه الأيام تحت ضغط أسطورة مؤازرة الحياة a life-sustaining myth · وفي محاولتها إحداث طلاق بين الدولة والكنيسة ناضلت الثورة لنشر"الأخلاق الطبيعية"· ووجدنا أن هذه المحاولة لم تنجح· فمن ناحية نجد أن تاريخ فرنسا في القرن التاسع عشر كان يمثل محاولات متشنجة دورية طال أمدها للخروج من كهف الانهيار الأخلاقي الذي سببته الثورة· وها هو القرن العشرون على مشارف النهاية من غير أن تجد البشرية حتى الآن بديلا طبيعيا للدين في حث هذا الحيوان الناطق (الإنسان) على الالتزام بمبادئ الأخلاق·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت