ومع كل هذه العلمانيّة إن صحّ التعبير، وجدنا نابليون نفسه عندما أراد أن يضبط ما انْفلت في فرنسا: ضياع، وتمرّد وتفسّخ في الأسرة وفي الحياة العامة، وافتقاد لجو الرخاء الاقتصادي والاستثمار لم يجد إلاّ الدين وسيلة لذلك، وعندما أراد أنْ يُتوج نفسه ملكًا كان لابُد أن يتعزَّز بالدين أمام غالبية شعبه، رغم أنّ هذا أثار سخرية أهل باريس السّاخرين بطبعهم من الكنيسة، فاسترضى البابا ونَفَحَةُ جُعْلا ليتوّجه ويُباركه (أى يمسحه بالزيت) ، ومع هذا كانت هناك إشارات تَتُمُّ عن حقيقة ما بداخله ففي حفل تتوجيه وَضَع هو نفسُه التاج على رأسه بعد أن تناوله من فوق منضدة مُعدَّة لذلك ولم يسمح للبابا بأن يضع التاج فوق رأسه (رأس نابليون) ، والمعنى واضح، وشجع نابليون نشر كتاب عن (عبقرية المسيحية) ، ومؤلفُ الكتاب نفسه اعترف في آخر حياته أنه لم يقصد إلاّ إيجاد وسيلة (هي هنا المسيحية) لإسكات الفقراء ومنع الثورات· ليست هناك إذن علمانيّة خالصة ولا يمكن أن تكون·
فإذا ما انتقلنا إلى النّظم الدينية وجدنا البابا يناور ويتحالف ويطالب بممتلكات دنيوية (الولايات البابوية) ووجدنا الأساقفة يطالبون بممتلكات الكنيسة، بل ووجدنا مثالًا طريفًا قد يكون من المفيد ذكره في هذا السياق، فعندما وصل نابليون إلى بولندا المقسّمة وقتها بين روسيا وبروسيا والنمسا راقت له امرأة جميلة من نسائها النبيلات، فاستقْصت عليه ورفضت ما أراد، فترجّاها نبلاءُ بولندا بمن فيهم رجال الدين المسيحي أن تُضحّي بنفسها وترضَخَ له وتُرضيه حتى يُخلِّص بولندا من أعدائها الذين اقتسموها وقسّموها وليعيد بولندا موحّدة كما كانت، فتكون (أي هذه المرأة) بذلك قدِّيسة مثل أستير وساقوا لها آيات من الكتاب المقدس (العهد القديم - سفر أستير)